خامسًا: التنبه والتنبيه لدور العلم في تبين الحق والوصول إلى الصواب ، فالعلم شرط في المُحاور المؤثر ، ومحفّز للمحاوَر من أجل قبول الحق: ? يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا ? (1)
سادسًا: إظهار الحرص على المخالف ، والخوف عليه من التشبث بالباطل والقناعة به ، وأن الرغبة في إقناعه وبيان وجه الحق له لمصلحته وفائدته ، ولسعادته ونجاته في دنياه وآخرته ؛ فمن دعاك لما هو عليه ، ساواك بنفسه ، ويبقى عليك تمييز ما هو عليه من حق أو باطل ? يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا ? (2) .
سابعًا: أن هدف الحوار ليس حمل المخالف قهرًا وقسرًا على الموافقة ، وإنما بيان الحق له ، وإقامة الحجة عليه ، عسى أن يعود للحق ، وغالبًا أن من يبحث عن الحق ويحرص عليه يهتدي إليه ، ويعان عليه ؛ ومن تحكمه أهواء نفسه، وشهوات جسده ، وتتحكم به مصالح ذاته التي يبحث عنها ، أو يخاف عليها من رئاسة وسيادة وشهرة وعصبية ومال ونحو ذلك ، فإنها تحجبه عن رؤية الحق ، وتحمله على المعاندة ، وتمنعه من القبول .
ولذا نرى هنا أن أدب إبراهيم - عليه السلام- مع أبيه ، وأسلوب حواره ، وقوة حجته ، ووضوح محجته ، وشدة حرصه ، لم تبلغ به إقناع أبيه بالحق الذي معه ، والإيمان الذي يدعوه إليه ؛ لأن أمر الهداية بيد الله ? إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ? (3) .
(1) «مريم» الآية (43) .
(2) «مريم» الآية (45) .
(3) «القصص» الآية (56) .