وتبقى تلك الأسئلة التي أثارها إبراهيم - عليه السلام - تحوك في الصدور تعمل عملها . وكادت أن تؤثر وتثمر حين غضب إبراهيم - عليه السلام - من ضلالهم . وأراد بخطوة عملية أن يدلل لهم على عجز أصنامهم ، وضلال أحلامهم حين راغ على تلك الأصنام تحطيمًا وتكسيرًا . وأبقى كبيرها ليحتكموا إليه ، فيرون عجزه . وضعفه وأنه لا يملك جوابا ولا يعرف صوابا . ولا ينطق بحق أو باطل . وإنما هو حجر لا ينفع ولا يضر . وذلك حينما تساءلوا من فعل ذلك بآلهتهم . فأجابهم إبراهيم بجواب عليم حكيم . وقال لهم: ?قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ - فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ ? (1) .
لكن هذه الصحوة النفسية والعقلية ما لبثت أن غابت وتلاشت ، وفعلت الحمية والعصبية للآباء فعلها . فنكسوا على رؤوسهم ، وأغفلوا عقولهم ، وذهبوا في غيهم وضلالهم ، كأنما فكروا بأقدامهم ، وأجابوا: ? لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاءِ يَنْطِقُونَ ? (2) .
وهنا يدفع بحجته في نحورهم فيقررها ويؤكدها: ? قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلا يَضُرُّكُمْ ? (3) .
ويعبِّر عن ضجره منهم ومن آلهتهم مبينًا ضلالهم وعدم معقولية عملهم في عبادتهم لتلك الآلهة ? أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ ? (4) .
(1) «الأنبياء» الآية (63-64) .
(2) «الأنبياء» الآية (65) .
(3) «الأنبياء» الآية (66) .
(4) «الأنبياء» الآية (67) .