ويتحول المشهد من الحوار بالدليل والحجة ، والتي كانت الغلبة فيها لإبراهيم على قومه إلى مواجهة الحجة بالقوة ، وإساءة استعمال السلطة . ? فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ ? (1) ، فأخذوا أمام هذا الخيار بالأشق الأشد حين اختاروا الإحراق بالنار ، فكان ابتلاء آخر لإبراهيم عليه السلام - ? فَأَنْجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ? (2)
وحينما ظهر الحق بدليله ، وتمايزت المواقف: أعلن إبراهيم - عليه السلام - عقائده ومواقفه . ولهذا الحوار بين إبراهيم وأبيه وقومه وأصنامهم دلائله ومعالمه ، من ذلك:
1-العناية في الحوار بالقضايا الكبرى ، وهي قضية تعبيد الناس لله الواحد الأحد ، وباقي المسائل هي فرع وتبع لها ، فإذا آمن الناس بالله ورسله وكتبه ، كان التحاكم إلى ذلك ، وافتُرض تناهي النزاع .
2-التساؤل أو المسائلة منهج نبوي في المحاجة ، تكشف الغشاوة عن العقل ، وتجعل الإنسان يراجع نفسه ، ويحاكم عقله ، ويلتمس الحق بنفسه ، فيقبل الحق باقتناع ، وتجعل الإنسان لا يشعر بأنه مغلوب مقهور ، فتحمله نوازع نفسه إلى المكابرة والمعاندة .
3-أن التقليد والمتابعة العمياء للآباء تلغي العقل ، وتحجب الحق . وتقود للضلال .
4-أن غاية الحوار والمحاجة ؛ إظهار الحق ، وإقامة الدليل ، وإسقاط الأعذار ، وليست الغاية حمل المخالف بالإكراه على الحق والدين: ? إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ? (3)
5-أن إساءة استعمال السلطة باللجوء إلى القوة في مقابلة الحجة ، لا تلغي الحق ، بل تغذيه وتدل عليه ، وتلفت النظر إليه . وتدل على ضعف الحجة ، وخطأ المسلك .
5- ( حوار إبراهيم عليه السلام مع الملك )
(1) «العنكبوت» الآية (24) .
(2) «العنكبوت» الآية (24) .
(3) «القصص» الآية (56) .