فهرس الكتاب
ويأتي الأسلوب الثالث في محاورة المؤمن مع صاحبه الكافر، ليقدم لنا نموذجا رائعا للمؤمن الصادق، السالك منهج الأنبياء في إرادة الخير والإرشاد إلى سبل النجاة للضالين من البشر، وعدم الحقد على أحد مهما ناله منهم من الإهانة والأذى، وهذا الموقف يدل على صفاء قلوبهم، ونقاء سريرتهم، ورغبتهم الشديدة في إيصال الخير إلى الناس ودفع الأذى عنهم، وإن اختلفوا معهم في أفكارهم، وقد كشفت لنا هذه المحاورة عن معالم نفسية هذا المؤمن النزيهة الطاهرة منذ بدايتها، التي استهلها الكافر بتقريع المؤمن وإهانته عندما قال له:"أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا"ورغم ذلك حرص المؤمن على هداية صاحبه، فناقشه في العقيدة بأسلوب علمي دقيق، أظهر له من خلاله فساد عقيدة الشرك، وبين له العقيدة الصحيحة، ثم بادر إلى تعليمه ما ينبغي قوله عند دخول الجنة حتى لا تخرب جنته وتزول نعمته، فقال لصاحبه مصرحا له بالتعليم متقدما إليه بالنصيحة قائلا له:"ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله إن ترن أنا أقل منك مالا وولدا"يقول البقاعي في تفسير هذه الآيات"أي وهلا حين"دخلت جنتك قلت"ما يدل على تفويضك الأمر فيها وفي غيرها إلى الله تعالى ... تاركا الافتخار بها، ومستحضرا لأن الذي وهبكها قادر على سلبك إياها، ليقودك ذلك إلى التوحيد وعدم الشرك، فلا تفرح بها ولا بغيرها مما يفنى، لأنه لا ينبغي الفرح إلا بما يؤمن عليه من الزوال"ما شاء الله"أي الذي له الأمر كله كان ، سواء كان حاضرا أو ماضيا أو مستقبلا ولذلك أعراها من الجواب ، لا ما يشاؤه غيره ، ولا يشاؤه هو سبحانه ، ثم علل ذلك بقوله تعالى:"لا قوة"أي لأحد على بستان وغيره"إلا بالله"أي المتوحد بالكمال فلا شريك له، وأفادت هذه الكلمة إثبات القوة لله، وبراءة العبد منها ، والتنبيه على أنه لا قدرة لأحد من الخلق إلا بتقديره ، فلا يخاف من غيره" (1)
(1) - نظم الدرر للبقاعي: 4 / 469 .