ولكن إبراهيم - عليه السلام - يتركه يغتر بحجته التي لم تقنع إلا نفسه ، ولا يقتنع بها غيره ، ويترك الجدال معه فيها ، وينقله إلى حجة أخرى لا يملك لها ردًا ، ويقول له بسهولة ظاهرة ، وحجة قاهرة: هذه الشمس التي يراها كل البشر تأتي كل يوم من المشرق في نظام محكم ، ومسير دائم ، فغيّر هذا النظام ، وأَفسِد هذا الإحكام ، واعكِس مَسارها ، وات بها أنت من المغرب إن كنت كما تزعم مالك قادر متصرف . ? إِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ ? (1)
وحينما سمع هذا الملك حجة إبراهيم الظاهرة لكل أحد ، والقاهرة لكل مكابر: أسقط في يده ، وأعجم لسانه ، وطاش عقله ، وبهت في جداله وحجاجه ، وبان كذبه وضلاله ، وصدمته الآية البينة ، وصفعته الحجة البالغة (2) . ?فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ? (3)
ومن هذا الحوار نستجلي معالم هداية كثيرة وكبيرة ، أهمها:
1-تقدير المقامات ، حيث لم يجادل إبراهيم الملك في دعواه مماثلة الحالتين وتساوي الحجتين في ادعاء الإحياء والإماتة .
2-أن العدول أحيانًا عن التفاصيل أبلغ من الدخول فيها .
3-الآيات الكونية أدلة ومعجزات شرعية .
4-استعمال الأدلة العقلية لإقناع المخالف وإقامة الحجة عليه .
5-أن العناد والمكابرة لا تغني عن الحق شيئا .
6-ثبات الجَنان وقوة الحجة من وسائل الإقناع الهامة ، ومن صفات المحاور الناجح .
6- ( حوار إبراهيم مع ضيفه )
ويحكي القرآن الكريم بتفصيل مثير قصة إبراهيم مع ضيفه من الملائكة المقربين ،وحواره معهم ، ووجله منهم ، وإكرامه لهم .
(1) «البقرة» الآية (258) .
(2) «قصص الأنبياء» محمد أحمد جاد المولى . وآخرون . ص (48)
(3) «البقرة» الآية (258) .