فهرس الكتاب
ومثاله أيضا قوله تعالى حكاية عن إبراهيم وكيف استدل من ظواهر الكون على الخالق المبدع: (فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ) (الأنعام:76) ، فقد استثاره جمال الكوكب، فقال: هذا ربي! ولكن الرب ينبغي أن يكون حاضرا شاهدا قيوما لا ينام ولا يغفل ولا يغيب، فعدل عنه إلى القمر، قال تعالى: (فَلَمَّا رَأى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ) (الأنعام:77) ، وحصل معه في القمر ما حصل في الكوكب، فاتجه على الشمس، ومنها إلى عبادة الحي القيوم، قال تعالى: (فَلَمَّا رَأى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ) (الأنعام:78) .
والقرآن سنده العقل، وهو قائم على الحجج والبراهين، وهذا ما يقويه وينصره في كل زمان ومكان، وهذا الذي يعطيه القبول والخلود، فهو صالح لأهل قرطبة وغرناطة كصلاحه لأهل مكة والمدينة، وهو صالح لأهل القرن الخامس عشر الهجري كصلاحه لأهل القرن الأول، وهذا أحد أهم العوامل في حيوية القرآن وسر بقائه معجزا خالدا إلى يوم الدين.
15-تسخير طاقات اللغة
البناء اللغوي للقرآن هو قاعدة الإعجاز الأساسية فيه، فلقد كانت اللغة بين يدي القرآن الكريم مطواعة لأغراضه ومقاصده، يشكلها كما يريد، ويوظفها كما يشاء، يختار من مفرداتها أخفها وأيسرها وأعذبها، ويصنع منها نظما غريب المنوال، ليس له في اللغة سابق مثال، وهذا النظم البديع قادر على أن يزلزل الجبال، وأن يهز الكون كله، والأهم من هذا كله أنه يهز الإنسان من داخله، ويخلقه خلقا جديدا، وذلك لما فيه من الطاقة الفعالة.