فهرس الكتاب
... وهذا تحذير لهم بأن سحرهم سيبطله الله ويذهب أثره؛ فلن يضر أحدا، وهذه سنة الله مع كل مفسد، حيث لا يصلح الله عمل مفسد، وفي الكلام ذم لهم بأنهم أهل إفساد، والمعنى: إن الله لا يصلح عمل المفسدين فيدخل فيه ما قاموا به من السحر، أو يكون المعنى: إن الله لا يصلح عملكم وعلى هذا يكون التعبير بالظاهر بدل المضمر لتسجيل الإفساد عليهم وبيان أن الإفساد هو علة محق عملهم. (1) ، وقد وقع بهم تهديد موسى؛ فأبطل الله سحرهم ،قال تعالى: ( { فَوَقَعَ الحق وَبَطَلَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ فَغُلِبُواْ هُنَالِكَ وانقلبوا صَاغِرِينَ } [ الأعراف:118،119]
3-ولما تحاور هو وفرعون قال له: ( وإني لأظنك يا فرعون مثبورا) [الإسراء: 102] أي: هالكا، وهذا الحوار مع فرعون جاء بعد سلسلة طويلة من المحاورات، وقد أوصى الله نبيه موسى وأخاه هارون أن يخاطبا فرعون بالأسلوب اللين، قال تعالى: (اذهبا إلى فرعون إنه طغى* فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى) [طه: 34، 44] ؛ وذلك لأنه المنهج الأصيل في الدعوة. قال بعض المفسرين: إن القول اللين لما لفرعون من حق التربية لموسى، ولما ثبت له من مثل حق الأبوة (2) . ولا نرى لهذا القول وجها وجيها؛ وهل لو رُبِّي موسى عليه السلام في غير بيت فرعون وجاء ليدعو فرعون أفكان سيغلظ له في النصح؟
... إن المنهج الذي أرساه الإسلام للحوار هو الحوار بالحسنى واللين، وقد أحسن ابن كثير حين استعرض أقوال المفسرين في كيفية القول اللين ثم قال:"والحاصل من أقوالهم أن دعوتهما له تكون بكلام رقيق لين قريب سهل، ليكون أوقع في النفوس وأبلغ وأنجع، كما قال تعالى: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) الآية [النحل: 125] ." (3)
(1) انظر: إرشاد العقل السليم لأبي السعود بتصرف واسع.
(2) انظر: الكشاف للزمخشري 3/ 106.
(3) تفسير ابن كثير 5/295.