فهرس الكتاب
هذه قصة قرآنية وقعت وفائدتها تعليم الناس موازين القيم في الحياة الدنيا وعند الله يوم القيامة، ومن فوائد القصة تعليم أدب الحوار؛ فقد أنعم الله على أحد عباده بجنتين فيهما من الخيرات الكثير، لكنه سها ولهى ونسي المبدأ والمنتهي، واستطال بماله وولده، وحسب أنه مخلد في الدنيا، وقاس أحوال الدنيا على الآخرة فظن أنه سيؤتى في الآخرة مالا وولدا خيرا مما كان له في الدنيا.
ولما رأى صاحبه المؤمن ذلك حاوره بأسلوب لين ينفذ إلى القلوب؛ فذكَّره بنعمة الله عليه في الخلق والنشأة والتسوية، ثم عرَّض في القول مبينا إسلامه وشرك صاحبه، وذكَّره بما يجب عليه حيال نعم الله، وبعد أن استنفد جهده وبلغ وسعه لجأ إلى أسلوب التخويف والتهديد له بفقد هذه الجنان وما فيها من ثمار.
... والظاهر أن صاحبه المشرك قد أصم أذنيه وأعمى عينيه عن النصيحة، فلم يذكر القرآن ردا له على هذه المحاورات، مما يدل على أنه كان سادرا في غيه لم يلق بالا لما انتصح به ولم يرفع بالمواعظ رأسا ولم يقبل هدى الله الذي جاءه على لسان صاحبه.
... عندها ترجى المؤمن أو دعا بأن يحدث لصاحبه ما يجعله يفيء إلى ربه، كأن تذهب جنته أثرا بعد عين؛ بأن ينزل عليها عذاب من السماء أو يغور ماؤها فيستحيل عليه طلبه، وقد كان ما سأله هذا الرجل الصالح، قال ابن عاشور:"كان صاحبه المؤمن رجلًا صالحًا فحقق الله رجاءه ، أو كان رجلًا محدّثًا من محدّثي هذه الأمة ، أو من محدّثي الأمم الماضية على الخلاف في المعنيّ بالرجلين في الآية ، ألهمهُ الله معرفة ما قدره في الغيب من عقاب في الدنيا للرجل الكافر المتجبر" (1) .
(1) التحرير والتنوير 15/326.