فهرس الكتاب
... ومن الملاحظ أن الرجل الكافر قد افتخر بماله وولده فقال: ( أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا) [الكهف:34] ولكن الرجل الصالح حينما دعا أو توقع ما يحدث لم يتكلم إلا على الجنتين فقط ولم يذكر أولاده وعشيرته الذين ينفرون معه، وهذا يشير إلى أنه ما أراد له الهلاك مطلقا، وإنما أراد له أن يتعظ بهلاك زرعه الذي يعتز به اعتزازا بالغا حتى إنه ليدخل جنته وهو ظالم لنفسه ولا يتوقع لها بوارا ولا هلاكا.
... أما أبناؤه فلا ذنب لهم كي يدعو عليهم الرجل المؤمن؛ فلم تذكر الآيات لهم مفاخرة ولا مجادلة؛ ثم إن العبرة بهلاك الزرع أتم ويمكنه أن يستدرك، ولن يملك بنوه له حينئذ نفعا؛ فإذا كان قد فقد الزرع فإنه- أيضا- فقد أثر النصرة من النفر، قال تعالى: ( ولم تكن له فئة ينصرونه من دون الله وما كان منتصرا) [الكهف:43] . ولذلك لما انفض عنه من حوله ووجد أرضه التي اعتز بها قد صارت خرابا يبابا تصفر الريح بين جنباتها كان ذلك معينا له على التوبة والندم (1) .
ونستطيع أن نجمل أسلوب محاورة المؤمن لهذا الكافر في عدة نقاط:
أنه وعظه ونصحه بأكثر من أسلوب.
أنه لجأ إلى الدعاء عليه بعد أن استنفد ما في جعبته من ترغيب.
(1) أما قوله: ( يا ليتني لم أشرك بربي أحدا) فقد يحتمل أن يكون توبة؛ إذ الندم توبة كما ورد عن النبي عليه السلام عند ابن حبان والحاكم بسند صحيح، ويحتمل أن يكون قاله تحسرا على ضياع ما كان بين يديه، والراجح الأول والله أعلم؛ قال ابن سعدي في تفسيره:"ولا يستبعد من رحمة الله ولطفه، أن صاحب هذه الجنة، التي أحيط بها، تحسنت حاله، ورزقه الله الإنابة إليه، وراجع رشده، وذهب تمرده وطغيانه، بدليل أنه =أظهر الندم على شركه بربه، وأن الله أذهب عنه ما يطغيه، وعاقبه في الدنيا، وإذا أراد الله بعبد خيرا عجل =له العقوبة في الدنيا. وفضل الله لا تحيط به الأوهام والعقول، ولا ينكره إلا ظالم جهول". تيسير الكريم الرحمن لابن سعدي 5/21.