فهرس الكتاب

الصفحة 527 من 764

وعندئذ جابههم موسى بهذا الوصف الذي يحمل في طياته كل معاني الذم والتقريع؛ فقد جاءت الجملة مُصدَّرة بصيغة الاسم للدلالة على الثبات، فهم في جهلهم ثابتون، وأكد جهلهم بإنَّ التي تفيد التأكيد، ثم جاء بلفظ (قوم) متوسطا وجعله موصوفا لصفة الجهل، وأتي بصيغة (تجهلون) مضارعة لإفادة التجدد ودوام الجهل حاضرا ومستقبلًا، وحذف مفعول: ( تجهلون) لإفادة العموم، فيشمل الجهل بالله وأسمائه وصفاته، ويشمل كذلك الجهل بنعم الله التي لما تزل ماثلة أمامهم، ويجهلون أيضا عاقبة الكفر في الدنيا والآخرة إلى غير ذلك.

وليس في هذا الجواب أي غرابة؛ فسلوكهم معوج، وجهلهم متأصل، ولذا كان من اللازم أن يناسب اللفظ شناعة الجرم، وهذا هو معنى البلاغة؛ فالبلاغة مطابقة الكلام لمقتضى الحال (1) ، ولكي يطابق الكلام مقتضى حال بني إسرائيل فإنه يلزم أن يأتي بأسلوب الشدة، وفي تفسير هذه الآية يقول ابن عاشور:"وكان جوابه بعنف وغلظة بقوله: (إنكم قوم تجهلون) لأن ذلك هو المناسب لحالهم" (2) .

2-وبعد أن انتهى هذا الموقف، وانتهرهم نبي الله موسى، ذهب لملاقاة ربه كي يتلقى عنه التوراة بما فيها من خير وهدى،وقد تركهم موسى أربعين ليلة وأوصى بهم أخاه هارون، قال تعالى: ( وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر فتم ميقات ربه أربعين ليلة وقال موسى لأخيه هارون اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين) [الأعراف: 142] .

... فلما رجع موسى إلى قومه وجدهم قد عبدوا العجل فغضب غضبا شديدا وقد صور القرآن الكريم هذا المشهد في قوله تعالى: ( ولما رجع موسى إلى قومه غضبان أسفا قال بئسما خلفتموني من بعدي أعجلتم أمر ربكم وألقى الألواح وأخذ برأس أخيه يجره إليه...) .

(1) الإيضاح للقزويني ص4 وانظر: مقدمة ابن خلدون ص 374.

(2) التحرير والتنوير 9/81.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت