وينبغي التأكيد على الاحترام المتبادل بين طرفي الحوار، وإعطاء كل ذي حق حقه، والاعتراف بمنزلته ومقامه، فيخاطب بالعبارات اللائقة والألقاب المستحقة والأساليب المهذبة، فنحن مأمورون بإنزال الناس منازلهم. وتبادل الاحترام إنما يقود إلى قبول الحق والبعد عن الهوى والانتصار للنفس.
وهذا التقدير والاحترام المطلوب لا ينافي النصح وتصحيح الأخطاء بأساليبه الرفيعة وطرقه الوقورة، فالمطلوب هو التقدير والاحترام لا المَلَق الرخيص والنفاق المرذول والمدح الكاذب والإقرار على الباطل.
ومما يتعلق بهذه الخصلة الأدبية أن يتوجه النظر وينصرف الفكر إلى القضية المطروحة ليتم تناولها بالبحث والتحليل والإثبات والنقض بعيدًا عن صاحبها أو قائلها، لكي لا يتحول الحوار إلى مبارزة كلامية؛ طابعها الطعن والتجريح والعدول عن مناقشة القضايا والأفكار إلى مناقشة ذوات الأشخاص وتصرفاتهم ومؤهلاتهم العلمية وسيرهم الذاتية (1) .
والمتتبع للحوارات التي يزخر بها تراثنا الإسلامي يدرك ذلك الأدب الرائع بين المتحاورين في أدق قضايا الإسلام وأحكامه، ويطلع على النماذج المشرقة التي حواها ذلك التراث الفكري المعرفي. ومن هذه النماذج الحوارية الفاضلة: ذلك الحوار الرائع الذي جرى بين عمر بن الخطاب رضي الله عنه وعدد من صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حول توزيع الأراضي على المقاتلين (2) . وذلك الحوار المكتوب الذي تم تبادله بين عالمين جليلين من علماء الأمة هما: إمام دار الهجرة مالك بن أنس، وإمام مصر وعالمها الكبير الليث بن سعد رحمهما الله حول العديد من المسائل والأحكام الفقهية (3) .
ثالثًا: الهدوء والسكينة:
(1) انظر: المرجع السابق، ص11.
(2) راجع هذه المحاورة في: تاريخ الأمم والملوك - للطبري، ج2/ص452 - 454.
(3) راجع هذه المحاورة في: إعلام الموقعين عن رب العالمين - لابن القيم، ج3/ص83 - 88.