يقول أحد الحكماء في وصيته لابنه:"يا بني تعلم حسن الاستماع كما تتعلم حسن الحديث، وليعلم الناس أنك أحرص على أن تسمع منك على أن تقول" (1) .
وحسن الاستماع يتضمن أمورًا عديدة منها:
ألا يحصر المحاور همه في التفكير بما سيقوله في المناظرة، بل يُقبل بوجهه على محاوره وينظر إليه مباشرة، مظهرًا حرصه على الوعي بما يقوله ويطرحه من آراء وأدلة وأفكار، حتى ولو كانت معلومة لديه، فهذا عطاء بن أبي رباح علاَّمة التابعين يقول:"إن الشاب ليتحدث بحديث فاسمع له كأني لم أسمعه، ولقد سمعته قبل أن يولد" (2) .
يقول الخطيب البغدادي في معرض بيانه لآداب المناظرة:"وينبغي أن يكون كل واحد من الخصمين مقبلًا على صاحبه بوجهه في حال مناظرته، مستمعًا كلامه إلى أن ينهيه" (3) . ويقول إمام الحرمين أبو المعالي الجويني:
"وعلى كل واحد منهما أن يُقبل على خصمه الذي يكلمه بوجهه في خطابه؛ المتكلم في كلامه والمستمع في استماعه" (4) .
إشعار المحاور محاوره المتكلم بالاحترام والاهتمام، وعدم الانشغال عنه أثناء كلامه، كأن يطالع في كتاب بين يديه، أو يقلب أوراقه، أو يعبث بقلمه، ونحو ذلك.
إعطاء الطرف الآخر الفرصة كاملة للتعبير عن آرائه وعرض أدلته، وعدم مقاطعته ومنازعته الكلام والاقتحام عليه فيه حتى ينتهي تمامًا منه. فإن كان هذا الكلام يحتوي على حق تم استخلاصه والاستفادة منه، وإن كان يحتوي على ما سوى ذلك رُد ونُقد بطريقة علمية موضوعية.
(1) العقد الفريد - لأحمد بن عبد ربه الأندلسي، ج2/ص243. وانظر: الفقيه والمتفقه - للخطيب البغدادي، ج2/ص33.
(2) تذكرة السامع والمتكلم في أدب العالم والمتعلم - لبدر الدين بن جماعة، ص105.
(3) الفقيه والمتفقه، ج2/ص32.
(4) الكافية في الجدل، ص534.