يقول الخطيب البغدادي:"وليتق المناظر مداخلة خصمه في كلامه وتقطيعه عليه، وإظهار التعجب منه، وليمكِّنه من إيراد حجته" (1) . ويقول أبو المعالي الجويني:"وعليهما جميعًا أن يصبر كل واحد منهما لصاحبه في نوبته...، لأنهما متساويان في حق المناوبة، فمن لم يصبر منهما لصاحبه فقد قطع عليه حقه" (2) .
ولا شك أن المتحاورين سيجنيان عند الالتزام بهذا الخلق الكريم فوائد عديدة، منها: إتاحة الفرصة لالتقاء الآراء وتلاحقها، وتحديد نقاط الخلاف، وإشعار كل واحد من الطرفين الآخر بالجدية والاهتمام والرغبة في تحصيل الفائدة والوصول إلى نتيجة جيدة من هذا الحوار، كما أنه يعين على هدوء الطرفين المتحاورين، ويتيح لهما حسن الفهم ووضوح الرؤية، والقدرة على استعراض الآراء والتصورات والحجج والبراهين، ومن ثم إتمام الحوار إلى نهايته.
ولا شك أيضًا أن حسن الفهم مطلب رئيس في الحوار. ولذا نجد ابن القيم يقول:"لما كان المقصود بالخطاب دلالة السامع وإفهامه مراد المتكلم من كلامه، وأن يبين له ما في نفسه من المعاني، وأن يدله على ذلك بأقرب الطرق، كان ذلك موقوفًا على أمرين:"
بيان المتكلم.
تمكن السامع من الفهم.
فإن لم يحصل البيان من المتكلم، أو حصل ولم يتمكن السامع من الفهم لم يحصل مراد المتكلم، فإذا بيَّن المتكلم مراده بالألفاظ الدالة على مراده، ولم يعلم السامع معاني تلك الألفاظ لم يحصل له البيان، فلابد من تمكن السامع من الفهم وحصول الإفهام من المتكلم" (3) ."
سادسًا: اجتناب المراء والجدل:
(1) الفقيه والمتفقه، ج2/ص35.
(2) الكافية في الجدل، ص533.
(3) مختصر الصواعق المرسلة، ج1/ص50.