وذكر ابن القيم رحمه الله تعالى من الحجج على الشافعية والحنفية أن الله سبحانه وتعالى أخبر عن كليمه موسى عليه الصلاة والسلام أنه أحرق العجل الذي عبد من دون الله ونسفه في اليم، وكان من ذهب وفضة، وذلك محق له بالكلية. وقال عن خليله إبراهيم عليه الصلاة والسلام: {فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا} [1] وهو الفتات، وذلك نص في الاستئصال - ثم ذكر حديث أبي أمامة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله بعثني رحمة للعالمين، وأمرني ربي بمحق المعازف والمزامير والأوثان والصليب وأمر الجاهلية» قال: والمحق: نهاية الإتلاف. وأيضًا فالقياس يقتضي ذلك؛ لأن محل الضمان هو ما كان يقبل المعاوضة، وما نحن فيه لا يقبلها البتة فلا يكون مضمونًا. وإنما قلنا: لا يقبل المعاوضة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام» وهذا نص، وقال: «إن الله إذا حرم شيئًا حرم ثمنه» ، والملاهي محرمات بالنص فحرم بيعها. وأما قبول ما فوق الحد المبطل للصورة لجعله آنية فلا يثبت به وجوب الضمان لسقوط حرمته، حيث صار جزء المحرم أو ظرفًا له، كما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم من كسر دنان الخمر، وشق ظروفها، فلا ريب أن المجاورة لها تأثير في الامتهان والإكرام، وقد قال الله تعالى: {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللّهِ يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ} [2] . وسئل النبي صلى الله عليه وسلم عن القوم يكونون بين
(1) سورة الأنبياء، الآية 58.
(2) سورة النساء، الآية 140.