ومن ذلك قوله:
فقلت أن التي قلبي بها علق ... قَبَّلتها قبلةً يومًا على خطر
فما أعد ولو طالت سني سوى ... تلك السويعة بالتحقيق من عمري
وهذا ظاهر في أن التي قَبَّلها كانت أجنبية؛ ولهذا قال: على خطر، ولو كانت حلالًا له لما كان عليه خطر. وهذا أيضًا مما يقدح فيه، سواء كان صادقًا فيما قال، أو كاذبًا فيه، أو قاله على لسان غيره. ومن ذلك أنه ساق خبرًا مطولًا ذكر فيه ما أصابهم من النكبات والجلاء، وذكر فيه أنه عشق جارية نشأت في دارهم لبعض من في دارهم من النساء، وأنه سعى عامين نحوهما بأبلغ السعي أن تجيبه بكلمة غير ما يقع في الحديث الظاهر إلى كل سامع، وأنه ما وصل من ذلك إلى شيء، وأنه كان يتعرض مرة للدنو منها فتنفر منه وتبعد عن قربه، وأنه حضر غناءها وضربها بالعود، قال: فلعمري لكأن المضراب إنما يقع على قلبي، وما نسيت ذلك ولا أنساه إلى يوم مفارقتي الدنيا. قال: وهذا أكثر ما وصلت إليه من التمكن من رؤيتها وسماع كلامها، وفي ذلك أقول:
لا تلمها على النفار ومنع الـ ... ـوصل ما هذا لها بنكير
ثم ذكر أنه كانت عندهم جنازة، وأنه رأى تلك الفتاة التي عشقها وقد ارتفعت الواعية - يعني: أصوات النوائح - قائمة في المأتم وسط النساء في جملة البواكي والنوادب، وأنها جددت أحزانه. ثم ذكر أنه خرج من قرطبة، وأنه رجع إليها سنة تسع وأربعمائة فرأى تلك الفتاة وقد تغيرت محاسنها، وذكر كلامًا قال في آخره: وإني لو نلت منها أقل وصل لخولطت طربًا، أو لمت فرحًا، ولكن هذا النفار الذي صبرني وأسلاني.