الصفحة 11 من 273

أيضًا لأن العقل لا يمكن أن يملك حُجة واحدة تنفي الإيمان بعالم الغيب.

أما عن الضرورة الفطرية، فالفطرة تميل إلى اكتشاف المجهول، ولهذا يحاول الإنسان أن يعرف كل ما خُبيء عنه، مما يدل على أن الفطرة تسعى وراء الغيب، والسعي وراء الشيء يدل على وجوده، فالفطرة تقتضي أن هذا العالم ليس هو وحده العالم، بل هناك ما أُخفي عنا وهو أكبر وأكثر وأوسع، وأن هذه الحياة تعيسة، إذا لم يكن هناك حياة أخرى، تُزيل عنا الأحزان، وترفعنا من هذه الأحوال المحزنة في الدُنيا إلى حيث الراحة والسعادة والاطمئنان [1] .

أثر الإيمان باليوم الآخر على سلوك الإنسان:

من آمن بالله واليوم الآخر، وأحب لقاء الله، فلا بد أن يعمل ويسلك الطريق الموصلة إليه، فمن يسلك هذا الطريق يكون إنسانًا ربانيًا، فهو بعيد عن الطمع، لأنه يطمع في الآخرة كما في الحديث:"اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا" [2] .

إن المؤمن بالآخرة بعيدٌ عن الجزع، لأن ما لا يُدركه في الدنيا، فهناك فرصة أخرى أوسع، وأرحب، إن تصور المؤمن ليس ضيقًا، إن هذه الدنيا لا تساوي شيئًا بالنسبة للآخرة، ولو تساوي شيئًا ما سُقي الكافر منها شربة ماء، ولهذا نجد أن أهل الله لا يعبئون بهذه الدنيا، ولا يهتمون لها إلا بقدر ما تُعينهم على طاعة الله.

إن المؤمن هو أعقل الناس، ولهذا يرفض أن يعيش في الشهوات فترة قصيرة، مقابل العيش أحقابًا في جهنم والعذاب، إن الموت في نظر المؤمن لا ُيمثل إلا نقطة انتقال إلى حياة أخرى أوسع، لا نكد فيها، ولا تعب، ولا نصب، إنها دار الجزاء، حيث لا عمل، بينما الدنيا هي دار العمل.

(1) أنظر، عالم الغيب بين الوحي والعقل، د. يحيى مراد، ص167.

(2) أخرجه الإمام الترمذي في سُننه، رقم (3569) ، أبواب الدعوات، باب رقم 83، ص5/ 189.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت