فالسماء بارتفاعها وسُموها قد انفطرت، والكواكب التي كانت مثار إعجابهم وتقديسهم قد انتثرت، والبحار التي كانت تحت أبصارهم خلقًا يخافون منه، قد فُجّرت، والقمر الذي تغنوا به دهرًا طويلًا، وأنكروا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكون قد انشق كما أخبرهم بمكة، يرونه مخسوفًا لا أثر لنوره، والشمس هذا المخلوق الكبير الذي طالما سبّحت له خلائق من قبل واتخذوه ربًا، هاهو ذا في كُسوفه وذهاب ضُوئه، يتبع الأمر الإلهى بانقضاء أجله، فيأوي إلى المكان الذي اختاره له ربه، ليس هذا فقط، فالأرض التي يقف الإنسان عليها قد اضطربت وماجت، فها هي تهتز هزات عنيفة، يتصدع من هول زلزالها القلب، وترتجف قوته حتى يعود ضعيفًا آيسًا، ولا يبقى في الأرض شيء إلا أخرجته، ما عرفته البشرية في تاريخها، و ما لم تعرفه، فيذهل الرائي لما يرى حتى يُردد من فزعه: مالها؟.
ذلك يوم تُحدّث الأرض من كان ضالًا مُنكرًا لرسالة ربه أنَّ هذا هو الحق الذي كان يمارس فيه حياته، إن الأرض تخبره أن الله القادر أوحى لها أن تُري البشر ما كانوا ينُكرون، ويشتدون في الإنكار، ويُكذبون المرسلين، ويردون دعوتهم، وهم يتلون آيات ربهم محذرين ومنذرين، إن للكافرين المعاندين أن يروا فعل ربهم وخالقهم، إنها أوامره سُبحانه وتعالى، أن يُحدث هذا الذي يحدث، وأن يقفوا على ضلالهم وكفرهم ومتابعتهم للشيطان وأتباعه، إنه اليوم الذي طالما حُذروا منه، وبذل الأنبياء في سبيل إنقاذهم منه ما استطاعوا من جهد وعمل، ولكنهم صدوا وسخروا فاليوم يشهدون ما كانوا به يكذبون.