الصفحة 146 من 273

والتصوير القرآني لأهوال ذلك اليوم يُقرّب المشاهد المفزعة من صور مألوفة، يلمسها الناس في حياتهم اليومية ويتعاملون معها ويكتظ بها آدابهم وأشعارهم، وتكشف عنها ملاحم الحروب، أو حالات الفرح، فهم أقدر على تمثيلها، واستجلاء مضمونها، ورحمة الله تحيط بالبشر، وهي تُحذرهم من مغبة ذلك اليوم العظيم، فتبدأ الآية بالنداء الرباني العام لبني الإنسان: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ، يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيد} (الحج: 1) .

إن هذه الآية تُصور حالة الذهول والخوف الذي يُصيب الناس، حتى ليكاد المرء يفقد عقله من هول ما يرى، وما بالإنسان من سُكر أو خبال، ولكن وعد الله قد تحقق، والتحذير واضح شديد الوضوح في قوله عز وجل: {إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ} ، وحتى يقترب الفهم، ضرب المثل في الأم التي تتخلى عن رضيعها لشدة الموقف، وما كانت الأم لتطرح ولدها وهي التي تفديه بنفسها عندما تحل الكارثة، أما في هذا الموقف فإنها تذهل عنه لغلبة الشدة التي تعتري كل إنسان فلا يجد أكرم من نفسه إليه.

ويلمس القرآن من الإنسان ما يزيده يقينًا، إذ القلوب هي المحك، فثباتها ثبات للإنسان الذي لم يرتكب جُرمًا وإنما أتى ربه بكل عمل أرضاه في الدنيا فهو لاقيه عنده، أما المعاند فإنه لن يعصمه في ذلك اليوم شيء وهنا يُحذر البارئ عز وجل من ذلك الموقف الذي سماه يوم الآزفة {وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآَزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ} (غافر: 18) ، إن الهلع أخرسها فما عادت تستقر في مكانها، ولم يجدوا من رد يتفوهون به، فكان السكوت علامة الخزي والخذلان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت