فيجب على المؤمنين أن يخافوا ذلك اليوم، وأن يحملهم الخوف على مراقبة الله تعالى، في أعمالهم، فيلزموا فيها الحق، ويتحرّوا الخير، ويتقوا الشرور والمعاصي، ولا يجعلوا حظهم من أمر الساعة الجدال، والقيل والقال، وإننا نرى بعض المتأخرين قد شغلوا المسلمين عن ذلك ببحث افتجره بعض الغلاة، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يبق طول عمره لا يعلم متى تقوم الساعة، كما تدل عليه آيات القرآن الكثيرة، بل أعلمه الله تعالى به، بل زعم أنه أطلعه على كل ما في علمه، فصار علمه كعلم ربه، أي صار ندًا وشريكًا لله تعالى في صفة العلم المحيط بالغيوب التي لا نهاية لها، ومن أصول التوحيد أنه تعالى لا شريك له في ذاته، ولا في صفة من صفاته، والرسول صلى الله عليه وسلم عبد الله، لا يعلم عن الغيب إلا ما أوحاه الله تعالى إليه، لأداء وظيفة التبليغ، ولكنّ الغُلاة يرون أنه من التقصير في مدح النبي صلى الله عليه وسلم، وتعظيمه أن تكون صفاته دون صفات ربه وإلهه، وخالق الخلق أجمعين، فكذّبوا كلام الله تعالى، وشبّهوا به بعض عبيده، إرضاءً لغرور، أو إتباع لجهل، ومثل هذا الغلو لم يُعرف عن أحد من سلف هذه الأمة، ولو أراد الله تعالى أن يُعْلمَ رسوله صلى الله عليه وسلم بوقت قيامة الساعة، بعد كل ما أنزله عليه في إخفائها واستئثاره بعلمه، لما أكده كل هذا التأكيد في قوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا} [1] .
الحكمة في تقديم أشراط الساعة ودلالة الناس عليها:
ثبت في حديث جبريل المشهور أنه عليه السلام قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم:"فأخبرني عن الساعة، فقال صلى الله عليه وسلم: ما المسئول بأعلم من السائل، قال: فأخبرني عن أماراتها، وفي رواية قال: ما المسئول عنها بأعلم من السائل، ولكن سأحدثك عن أشراطها".
قال ابن حجر: والحكمة في تقديم الأشراط إيقاظ الغافلين، وحثهم على التوبة والاستعداد.
(1) المصدر السابق: ص 13/ 468.