بعيد، ثم عاد مرة أخرى، فقال: يا رسول الله، طهرني!! فقال ـ عليه الصلاة والسلام ـ: «ويحك، ارجع فاستغفر الله وتب إليه» حتى إذا كانت الرابعة قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «فيم أطهرك؟!» قال: من الزنا يا رسول الله!! فسأل النبي - صلى الله عليه وسلم - بعض من حوله: «أبه جنون؟!» فقال بعض قومه: «والله يا رسول الله ما علمنا به جنونًا» فقال: «أشرب الخمر؟!» فقام أحد الناس إلى هذا الصحابي ـ رضي الله عنه ـ فاستَنْكَهَه (يعني شمَّه) فلم يجد منه ريح الخمر!!
لقد كان بإمكان هذا الصحابي عندما قال له النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ: «ارجع» في أول مرّة أن يذهب ويقول: قد أخبرت رسول الله وبرئت ذمتي. ولكنه ـ رضي الله عنه ـ كان في قلبه الإيمان والخوف من سطوة الله وعذابه!!
ثم ماذا؟ لقد جاء يطلب التطهير من ذنبه وهو يعلم أنه القتل، وأي قتل؟!!
إنه رمي بالحجارة حتى الموت وأمام أعين الناس!! فالأمر صعب وشاق، ومع هذا كان ـ رضي الله عنه ـ يلحُّ في طلب ذلك!! لِم كل هذا؟ لأجل أن ينجو من عذاب الله!!
إنه يعلم أن العقوبة في الدنيا وإن كانت قاسية وأليمة، لكن ليست بأقسى ولا أخزى من غمسة واحدة في نار جهنم!! فكان من شأنه أن يتحمل عذاب الدنيا لأجل أن ينجو من عذاب الله غدًا!!
فلما جاء هذا الصحابي في المرة الرابعة وكرر الطلب ما كان للنبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ بدٌّ من أن يأمر به فيرجم ـ رضي الله عنه وأرضاه.