مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ [1] .
وقال تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} [2] .
ومن تأمل ما قص الله في كتابه من أحوال الأمم الذين أزال الله نعمه عنهم وجد سبب ذلك جميعه إنما هو مخالفة أمره وعصيان رسله، وكذلك من نظر في أحوال أهل عصره، وما أزال الله عنهم من نعمه وجد ذلك كله من سوء عاقبة عواقب الذنوب كما قيل:
إذا كنت في نعمة فارعها ... فإن المعاصي تزيل النعم
وحافظ عليها بشكر الإله ... فإن الإله سريع النقم [3]
فما حفظت نعمة لله بشيء قط مثل طاعته، ولا حصلت فيها الزيادة بمثل شكره، ولا زالت عن العبد نعمة بمثل معصيته لربه، فإنها نار النعم التي تعمل فيها كما تعمل النار في الحطب اليابس، ومن سافر بفكره في أحوال العالم استغنى عن تعريف غيره له.
وأما كون مسبباتها شرورًا فلأنها آلام نفسية وبدنية، فيجتمع على صاحبها مع شدة الألم الحسي ألم الروح بالهموم والغموم والأحزان والخسران، ولو تفطن العاقل اللبيب لهذا حق التفطن لأعطاه حقه من الحذر والجد والهرب، ولكن قد ضرب على قلبه حجاب الغفلة
(1) سورة الرعد، آية: 11.
(2) سورة الأنفال، آية: 53.
(3) هذان البيتان لعلي بن أبي طالب - رضي الله عنه -. انظر «ديوانه» ص175، 176 - جمع نعيم زرزورة، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان.