الصفحة 38 من 101

ليقضي الله أمرًا كان مفعولًا؛ فلو تيقظ حق التيقظ لتقطعت نفسه في الدنيا حسرات على ما فاته من حظه العاجل والآجل من الله، وإنما يظهر هذا حقيقة الظهور عند مفارقة هذا العالم والإشراف والاطلاع على عالم البقاء؛ فحينئذ يقول {يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي} [1] ، {يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ} [2] .

ولما كان الشر هو الآلام وأسبابها كانت استعاذات النبي - صلى الله عليه وسلم - جميعها مدارها على هذين الأصلين؛ فكل ما استعاذ منه أو أمر بالاستعاذة منه فهو إما مؤلم، وإما سبب يفضي إليه؛ فكان يتعوذ في آخر الصلاة من أربع، وأمر بالاستعاذة منهن، وهي: «عذاب القبر، وعذاب النار» ؛ فهذان أعظم المؤلمات، «وفتنة المحيا والممات، وفتنة المسيح الدجال» ، وهذان سبب العذاب المؤلم؛ فالفتنة سبب العذاب ... فعادت الاستعاذة إلى الاستعاذة من الألم والعذاب وأسبابه، وهذا من آكد أدعية الصلاة ... ».

وقال ابن القيم أيضًا [3] : «والشر المستعاذ منه نوعان: أحدهما: موجود، يطلب رفعه، والثاني: معدوم، يطلب بقاؤه على العدم، وأن لا يوجد؛ كما أن الخير المطلق نوعان: أحدهما: موجود، فيطلب دوامه وثباته، وأن لا يسلبه، والثاني: معدوم، فيطلب وجوده وحصوله؛ فهذه أربعة هي أمهات مطالب السائلين من رب العالمين، وعليها مدار طلباتهم.

(1) سورة الفجر، آية: 24.

(2) سورة الزمر، آية: 56.

(3) انظر «التفسير القيم» ص548.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت