الصفحة 39 من 101

وقد جاءت هذه المطالب الأربعة في قوله تعالى حكاية عن دعاء عباده في آخر آل عمران في قوله: {رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آَمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآَمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا} ؛ فهذا الطلب لدفع الشر الموجود؛ فإن الذنوب والسيئات شر، كما تقدم بيانه، ثم قال: {وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ} ؛ فهذا طلب لدوام الخير الموجود - وهو الإيمان - حتى يتوفاهم عليه؛ فهذان قسمان، ثم قال: {رَبَّنَا وَآَتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ} ؛ فهذا طلب للخير المعدوم أن يؤتيهم إياه، ثم قال: {وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [1] ؛ فهذا طلب أن لا يوقع بهم الشر المعدوم، وهو خزي يوم القيامة؛ فانتظمت الآيتان المطالب الأربعة أحسن انتظام، مرتبة أحسن ترتيب، قدم فيها النوعان اللذان في الدنيا، وهما المغفرة ودوام الإسلام إلى الموت، ثم أتبعا بالنوعين اللذين في الآخرة؛ وهما أن يعطوا ما وعدوه على ألسنة رسله، وأن لا يخزيهم يوم القيامة».

قوله تعالى: {وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ} : هذا هو المستعاذ منه الثاني في هذه السورة، وهو والمستعاذ منه الثالث والرابع كلها داخلة ضمن المستعاذ منه الأول، وهو قوله: {مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ} من باب التخصيص بعد التعميم [2] .

والغاسق هو الليل وظلمته؛ يقال غسق الليل وأغسق الليل إذا أظلم [3] ، ومنه قوله تعالى: أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ

(1) سورة آل عمران، الآيتان: 193، 194.

(2) انظر «الكشاف» 4/ 244، «تيسير الرحمن» 7/ 687.

(3) انظر «لسان العرب» مادة «غسق» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت