قال ابن القيم [1] بعد كلامه السابق قريبًا: «والظلمة في الآية أنسب لمكان الاستعاذة؛ فإن الشر الذي يناسب الظلمة أولى بالاستعاذة من البرد الذي في الليل، ولهذا استعاذ برب الفلق، الذي هو الصبح والنور، من شر الغاسق الذي هو الظلمة، فناسب الوصف المستعاذ به المعنى المطلوب بالاستعاذة» .
وإنما أمر الله بالاستعاذة من شر الغاسق إذا وقب وهو الليل إذا أقبل بظلمته ودخل في كل شيء؛ لأن الليل هو محل الظلام وفيه تتسلط وتنتشر شياطين الإنس والجن والهوام وغيرها من الأرواح الشريرة والخبيثة المؤذية والمفسدة.
ولهذا قال - صلى الله عليه وسلم: «إذا أقبل الليل فكفوا صبيانكم فإن الشياطين تنتشر حينئذ فإذا ذهب ساعة من العشاء فخلوهم، وأغلق بابك، واذكر اسم الله وأطفئ مصباحك واذكر اسم الله، وأوك سقاءك واذكر اسم الله، وخمر إناءك واذكر اسم الله، ولو تعرض عليه شيئًا» [2] .
وفي حديث آخر: «فإن الله عز وجل يبث في ليله من خلقه ما يشاء» [3] .
فالشياطين من الإنس والجن والحيوانات تتسلط في الليل لأنه محل الظلام ما لا تتسلط بالنهار؛ لأن النهار نور، والشياطين إنما سلطانهم في الظلمات والمواضع المظلمة، وعلى أهل القلوب المظلمة بالكفر والمعاصي، الخالية من ذكر الله ونوره [4] .
قال ابن تيمية [5] بعدما ذكر القولين في معنى «غاسق» ، قال: «فالقمر أحق ما يكون بالليل بالاستعاذة، والليل مظلم، تنتشر فيه شياطين الإنس والجن ما لا تنتشر بالنهار، ويجري فيه من أنواع الشر ما لا يجري بالنهار من أنواع الكفر والفسوق والعصيان والسحر والسرقة والخيانة والفواحش، وغير ذلك؛ فالشر دائمًا مقرون بالظلمة، ولهذا إنما جعله الله لسكون الآدميين وراحتهم؛ لكن شياطين الإنس والجن تفعل فيه من الشر ما لا يمكنها فعله بالنهار، ويتوسلون بالقمر وبدعوته، والقمر وعبادته، وأبو معشر البلخي له «مصحف القمر» يذكر فيه من الكفريات والسحريات ما يناسب الاستعاذة منه».
وقال ابن القيم [6] : «روي أن سائلًا سأل مسيلمة: كيف يأتيك الذي يأتيك؟ فقال: «في ظلماء حندس» وسئل النبي - صلى الله عليه وسلم: «كيف يأتيك؟ فقال: «في مثل ضوء النهار» . فاستدل بهذا على نبوته، وأن الذي يأتيه ملك من عند الله، وأن الذي يأتي مسيلمة شيطان.
ولهذا كان سلطان السحر إنما هو بالليل دون النهار؛ فالسحر الليلي عندهم هو السحر القوي التأثير، ولهذا كانت القلوب المظلمة
(1) انظر «التفسير القيم» ص558.
(2) أخرجه البخاري في بدء الخلق 3280، ومسلم في الأشربة 2012، وأبو داود في الأشربة 3733، والترمذي في الأطعمة 1812، وابن ماجه في الأدب 3771 - من حديث جابر - رضي الله عنه -.
(3) أخرجه أحمد 3/ 306، 355 - من حديث جابر بن عبد الله - رضي الله عنه -.
(4) انظر «التفسير القيم» ص560.
(5) انظر «دقائق التفسير» 6/ 497.
(6) انظر «التفسير القيم» ص560 - 562.