لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ * وَلَوْ أَنَّهُمْ آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ [1] . وقال تعالى: {سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ} [2] .
وعن زيد بن أرقم قال: سحر النبي - صلى الله عليه وسلم - من اليهود فاشتكى لذلك أيامًا. قال: فجاءه جبريل فقال: إن رجلًا من اليهود سحرك؛ عقد لك عقدًا في بئر كذا وكذا، فأرسل إليها من يجيء بها، فبعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عليًا - رضي الله عنه - فاستخرجها، فجاء بها، فحللها قال: فقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كأنما نشط من عقال، فما ذكر ذلك لليهودي، ولا رآه في وجهه قط حتى مات» [3] .
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سحر حتى كان يرى أنه يأتي النساء ولا يأتيهن - قال سفيان بن عيينة: وهذا أشد ما يكون من السحر إذا كان كذا - فقال: «يا عائشة، أعلمت أن الله قد أفتاني فيما استفتيته فيه؟ أتاني رجلان فقعد أحدهما عند رأسي والآخر عند رجلي، فقال الذي عند رأسي للآخر: ما بال الرجل؟ قال مطبوب. قال: ومن طبه؟ قال: لبيد بن الأعصم، رجل من بني زريق حليف ليهود، وكان منافقًا. قال: وفيم؟ قال: في مشط ومشاقة. قال: وأين؟ قال: في جَفِّ طلع ذكر، تحت راعوفة في بئر ذروان، قال: فأتى البئر حتى استخرجه، فقال: هذه البئر التي أريتها، وكأن ماءها نقاعة الحناء [4] ، وكأن نخلها رؤوس الشياطين. قال: فاستخرج، فقلت: أفلا - أي: تنشرت؟ قال: «أمَّا الله فقد شفاني، وأكره أن أثير على أحد من الناس شرًا» [5] .
قال ابن القيم [6] : «وهذا الحديث ثابت عند أهل العلم بالحديث، متلقى بالقبول بينهم، لا يختلفون في صحته، وليس في هذه الأحاديث الثابتة في أنه - صلى الله عليه وسلم - سحر تصديق لقول المشركين: {إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا} [7] ، وكما قال قوم صالح: {إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ} [8] وكذا قال قوم شعيب له {إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ} [9] ؛ لأن الذي أصابه - كما دلت عليه هذه الأحاديث مرض من الأمراض يصيب غيره، ولا يمنع من اتباعه - صلى الله عليه وسلم -؛
(1) سورة البقرة، آية: 102.
(2) سورة الأعراف، آية: 155.
(3) أخرجه أحمد 4/ 367، والنسائي في التحريم - باب سحرة أهل الكتاب 3802 وصححه الألباني.
(4) المشاقة: المشاطة، وهي الشعر الذي يسقط من الرأس واللحية عند التشريح بالمشط.
والجف: قشر الطلع. راعوفة البئر: صخرة تترك في أسفل البئر إذا حفرت تكون ناتئة هناك، فإذا أرادوا تنقية البئر جلس المنقي عليها. وبئر ذروان: بئر ببني زريق بالمدينة.
والنقاعة: ما أنقع فيه الشيء، وهو هنا الماء الذي أنقع فيه الحناء، انظر «لسان العرب» مادة «مشق» ومادة «حف» ومادة «رعف» ومادة «نقع» ، «التفسير القيم» ص 564.
(5) أخرجه البخاري في الطب - باب هل يستخرج السحر 5765، وأحمد 6/ 96، وانظر «التفسير القيم» ص 564، 565.
(6) انظر «التفسير القيم» ص 566، 570.
(7) سورة الإسراء، آية: 47، وسورة الفرقان، آية: 8.
(8) سورة الشعراء، آية: 153.
(9) سورة الشعراء، آية: 185.