اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [1] .
وفي الحديث: «وليأت للناس الذي يحب أن يؤتى إليه» [2] .
فمن تصور هذا وشغل به فكره هان عليه الإحسان لمن أساء إليه مع ما يحصل له من نصر الله ومعيته الخاصة؛ كما قال - صلى الله عليه وسلم - للذي شكا إليه قرابته، وأنه يحسن إليهم وهم يسيؤون إليه، قال: «لا يزال معك من الله ظهير عليهم ما دمت على ذلك» [3] .
هذا مع ما يتعجله من ثناء الناس عليه، ويصيرون كلهم معه على خصمه؛ فإن كل من سمع أنه محسن إلى ذلك الغير وهو مسيء إليه وجد قلبه ودعاءه وهمته مع المحسن على المسيء، وذلك أمر فطري، فطر الله عليه عباده، فهو بهذا الإحسان قد استخدم عسكرًا لا يعرفهم ولا يعرفونه، ولا يريدون منه إقطاعًا، ولا خبزًا؛ هذا مع أنه لابد له من عدوه وحاسده من إحدى حالتين: إما أن يملكه بإحسانه فيستعبده وينقاد إليه ويذل له .. وإما أن يفتت كبده، ويقطع دابره إن أقام على إساءته إليه، فإنه يذيقه بإحسانه أضعاف ما ينال منه بانتقامه، ومن جرب هذا عرفه حق المعرفة.
السبب العاشر: وهو الجامع لذلك كله، وعليه مدار هذه
(1) سورة النور، آية: 22.
(2) أخرجه من حديث طويل مسلم في الإمارة 1844، وأبو داود في الفتن والملاحم 4248، والنسائي في البيعة 4191، وابن ماجه في الفتن 3956، من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما.
(3) أخرجه مسلم في البر والصلة والآداب 2558، من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -.