قال ابن كثير [1] : «وهو الشيطان الموكل بالإنسان؛ فإنه ما من أحد من بني آدم إلا وله قرين يزين له الفواحش، ولا يألوه جهدًا في الخبال، والمعصوم من عصمه الله. قال - صلى الله عليه وسلم: «ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه» . قالوا: وأنت يا رسول الله؟ قال: «نعم، إلا أن الله أعانني عليه فأسلم، فلا يأمرني إلا بخير» [2] .
ووصف الشيطان وسمي بالوسواس لدقة وخفاء مداخله ومجاريه من الإنسان كما قال - صلى الله عليه وسلم: «إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم» [3] .
والوسواس من جنس حديث النفس؛ قال تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ} [4] ؛ أي: ما تحدث به نفسه. وقال - صلى الله عليه وسلم: «إن الله تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم به أو تعمل به» [5] ، وهو نوعان: خبر إما عن ماض يذكره به، وإما عن مستقبل يحدثه بفعله أو يخوفه وقوعه، ونحو ذلك من الأماني والمواعيد الكاذبة. والنوع الثاني: إنشاء وهو إما أمر أو نهي أو إباحة» [6] .
قوله {الْخَنَّاسِ} : هذه الصفة الثانية للشيطان. و {الْخَنَّاسِ} : صفة مشبهة أو صيغة مبالغة على وزن «فعال» من خنس يخنس، إذا توارى واختفى بعد ظهوره كما قال تعالى: {فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ} [7] ، وهي النجوم تخنس وتختفي بالنهار وتظهر وتبدو في الليل [8] .
ومنه قول أبي هريرة - رضي الله عنه: «لقيني النبي - صلى الله عليه وسلم - في بعض طرق المدينة، وأنا جنب فانخنست منه» [9] : أي: اختفيت.
وهو أيضًا مأخوذ من معنى الرجوع والتأخر [10] ، كما في الحديث: «إذا نودي للصلاة أدبر الشيطان وله ضراط حتى لا يسمع التأذين، فإذا قضي النداء أقبل، فإذا ثُوِّب بها أدبر، فإذا قضي أقبل، حتى يخطر بين الإنسان وقلبه، فيقول اذكر كذا، اذكر
(1) في «تفسيره» 8/ 558.
(2) أخرجه مسلم في صفة القيامة 2814، وأحمد 1/ 385، 397، 401، 460، والدارمي في الرقاق 2618، من حديث سالم بن أبي الجعد عن أبيه عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -.
(3) أخرجه البخاري في الاعتكاف 2038، وفي الأدب 6219، ومسلم في السلام 2175 ـ وأبو داود في الصوم 2470، وابن ماجه في الصيام 1779، من حديث صفية رضي الله عنها زوج النبي - صلى الله عليه وسلم -. وأخرجه مسلم أيضًا 2174، من حديث أنس - رضي الله عنه -.
(4) سورة ق، آية: 16.
(5) أخرجه البخاري في العتق 2528، ومسلم في الإيمان 137، وأبو داود في الطلاق 2209، والنسائي في الطلاق 3433، والترمذي في الطلاق واللعان 1183، من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -.
(6) انظر «دقائق التفسير» 6/ 503 - 504.
(7) سورة التكوير، آية: 15.
(8) انظر «التفسير القيم» ص 606، «الجامع لأحكام القرآن» 20/ 262 - 263، «تفسير ابن كثير» 8/ 359، 559.
(9) أخرجه البخاري في الغسل 238، ومسلم في الحيض 371، وأبو داود في الطهارة 231، والنسائي في الطهارة 269، والترمذي في الطهارة 121.
(10) انظر «الكشاف» 4/ 245.