الصفحة 79 من 101

هذه الوساوس والواردات، ثم تلج إلى القلب، قال الله تعالى: {وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ} [1] ، وقال تعالى: {فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} [2] .

وشرور الشيطان كثيرة لا تحصى، وأعظم صفاته وأشدها شرًا، وأقواها تأثيرًا، وأعمها فسادًا الوسوسة، لهذا وصفه الله عز وجل بها، وهي أصل كل شر يقع في الأرض من ترك للواجبات، أو تقصير بها، أو انتهاك للمحرمات، ومن ظلم للنفس والغير، وغير ذلك.

قال ابن القيم [3] : «ووصفه بأعظم صفاته وأشدها شرًا، وأقواها تأثيرًا، وأعمها فسادًا، وهي الوسوسة، التي هي مبادئ الإرادة؛ فإن القلب يكون فارغًا من الشر والمعصية، فيوسوس إليه، ويخطر الذنب بباله، فيصوره لنفسه ويمنيه ويشهيه، فيصير شهوة، ويزينها له ويحسنها، ويخيلها له في خياله حتى تميل نفسه إليه، فيصير إرادة، ثم لا يزال يمثل له، ويخيل ويمني ويشهي، وينسي علمه بضررها، ويطوي عنه سوء عاقبتها، فيحول بينه وبين مطالعته، فلا يرى إلا صورة المعصية والتذاذه بها فقط، وينسى ما وراء ذلك، فتصير الإرادة عزيمة جازمة، فيشتد الحرص عليها من القلب فيبعث الجنود في الطلب، فيبعث الشيطان معهم مددًا لهم وعونًا، فإن فتروا حركهم، وإن ونوا أزعجهم - إلى أن قال: فأصل كل معصية وبلاء إنما هو الوسوسة، فلهذا وصفه الله بها؛

(1) سورة آل عمران، آية: 154، وانظر «التفسير القيم» ص 614.

(2) سورة الحج، آية: 46.

(3) انظر «التفسير القيم» ص 609 - 610.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت