إنَّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يُضلل فلا هادي له، وأشهد ألاَّ إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله.
أمَّا بعد:
اعلم وفَّقنا الله وإيَّاك وجميع المسلمين لِما يُحبه ويرضاه أنَّ مِنْ أشرف هبات الله للإنسان عقله، وقد رُوِي عن ابن عباس رضي الله عنهما، أنه قال في قول الله تعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ} [الإسراء:70] أي في العقل، وورد عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «ما اكتسب مُكتسبٌ مثل فضل علم يهدي صاحبه إلى هدى، أو يردَّه عن ردى، ولا استقام دينه حتى يستقيم عقله» .
فالعقل جعله الله للإنسان ليميِّز به النافع من الضَّار، ويفهم عن الله شرعه، ويفهم لماذا حَسُن الحَسَنُ وقَبُح القبيح، ويفهم ما لله من الحقوق وما لرُسله، وما ينبغي نحو عباد الله؛ فهو الجوهرة التي دون قدرها الأثمان، وما يُقدَّر بالأثمان بل إنَّ الدنيا بأسرها لا قيمة لها بجانب هذا العقل العظيم الشأن الذي رفع الله درجة بني آدم إلى أن خاطبهم جلَّ وعلا، وهو الذي صلح لأن يكون من خدمة تعالى، يؤدِّي ما له من واجبات، وهو أيضًا الذي به يكون أهلًا لأن يكون من ضيوفه تعالى في دار الكرامات، بل هو الذي سما به إلى أن يرى ربَّه تعالى في دار الرضوان ..