غذاءها ذاقت الشقاوة والتعاسة وضنك العيش في الدنيا، ونار تلظى لا يصلاها إلا الأشقى يوم القيامة عياذًا بالله من ذلك.
وبجوع هذه الروح يحصل للإنسان الهلاك والعطب للروح والجسد معًا كما قال تعالى عمن همشوا جانب الروح وأقبلوا على الجسد؛ ليسعدوه بمعزل عن أرواحهم وغذائها: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آَيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى * وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآَيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى}
[طه: 124 - 127] ؛ قال المفسرون: أي: ينساه الله في عذابه يوم لقائه لربه، ولذلك كان السلف يقولون: إن في الدنيا لجنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة؛ ألا وهي ذكر الله وما والاه، وطاعته والأنس به سبحانه؛ ولذلك عندما تطمئن هذه الروح بالله عز وجل وتسكن إليه وتركن إليه يعيش العبد سعادة عظيمة تذوب معها الهموم والغموم، وينسى معها آلام الجسد وحرمان الفقر وعري الأبدان؛ ولذلك لما أغلق باب السجن على ابن تيمية رحمه الله تعالى تلا قول الله تعالى: {فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ} [الحديد: 13] ، وكان يقول وهو في السجن مخاطبًا أعداءه وقد هانت عليه نفسه في ذات الله عز وجل: «مساكين هؤلاء، ما يفعل أعدائي بي؟ إن كان سجني خلوة - أي يخلو فيه بربه سبحانه وتعالى ويأنس بمناجاته ودعائه وذكره - ونفيي سياحة، وقتلي شهادة؛ أنا بستاني في صدري أنى كنت فهو معي»