الصلاة والسلام قد استفرغ وسعه وجهده في دعوة قومه - وابنه وزوجته منهم - فدعاهم ألف سنة إلا خمسين عامًا، وبكل سبل الدعوة: ليلًا ونهارًا، سرًا وجهارًا فبذل جهده وفعل المطلوب منه - وهو بيان الحق والدعوة إليه والصبر والإقامة على ذلك - وهكذا فعل سائر الأنبياء والمرسلين عليهم صلوات ربي وسلامه أجمعين. أما حصول التوفيق والهداية فإنما أمرها إلى الله تعالى وليس ذلك من اختصاص البشر؛ كما قال تعالى: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ}
[القصص: 56] ، أما أن تترك الحبل على الغارب ولا تبذل الجهد ولا تفرغ الوسع في طلب الهداية والنجاة لهم ثم تحتج بمثل تلك الحجج الواهية فهذا من أعظم الظلم والإجرام في حق أهلك وذريتك، وكما قال الشاعر في وصف هذه الحالة من التخلي عن المسؤولية:
ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها
إن السفينة لا تجري على اليبس
إذن فعليك العمل على أسباب الهداية والنجاة، وأما النتائج فليست من اختصاص البشر كائنًا من كان، بل هي إلى رب البشر جل في علاه يهدي من يشاء ويضل من يشاء وهو أعلم بالشاكرين، ولكن عليك أنت أن تعمل على فكاك رقبتك يوم القيامة؛ يوم تُسأل عن هذه الذرية، وأذكرك مرة أخرى بقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا