الفصل الثالث
بيان متى شرعت الزيارة مع ذكر الأدلة على ذلك
كانت زيارة القبور منهيًا عنها في بداية الإسلام ثم أذن فيها وشرعت في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهذا مما لا خلاف فيه بين العلماء. وقد نقل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ما قيل في سبب منعها في بداية الأمر قائلا: (فقيل؛ لأن ذلك يفضي إلى الشرك. وقيل لأجل النياحة عندها. وقيل لأنهم كانوا يتفاخرون بها. وذكر طائفة من العلماء في قوله تعالى: {أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ} [1] أنهم كانوا يتكاثرون بقبور الموتى، وممن ذكره ابن عطية في تفسيره. قال: وهذا تأنيب على الإكثار من زيارة القبور أي حتى جعلتم أشغالكم القاطعة لكم عن العبادة والعلم زيارة القبور تكثرًا بمن سلف وإشادة بذكره) [2] . وقال الألباني - رحمه الله تعالى: (والنَّهي إنما كان في أول الأمر في مكة، ونحن نجزم بهذا وإن كنا لا نعرف تاريخًا يؤيد ذلك؛ لأن الاستنتاج الصحيح يشهد له، وذلك من قوله - صلى الله عليه وسلم: «كنت نهيتكم» ؛ إذا لا يعقل في مثل هذا النهي أن يشرع في العهد المكي الذي كان أكثر ما شرع فيه من الأحكام إنما هو ما يتعلق بالتوحيد والعقيدة والنَّهي عن الزيارة من هذا القبيل؛ لأنه من باب سد الذرائع، وتشريعه إنما يناسب العهد المدني دون العهد المكي؛ لأن الناس كانوا فيه حديثي عهد بالإسلام، وعهدهم بالشرك قريبا فنهاهم - صلى الله عليه وسلم - عن
(1) سورة التكاثر الآية: 1، 2.
(2) الجواب الباهرة في زوار المقابر ص 50، 51.