فهرس الكتاب

الصفحة 77 من 164

بل جعل الإسلام من حق الوالدين الدائم الذي لا يحجبه شيء، أن يرث الوالدان من ابنهما الميت، فجعلهما الإسلام من أصحاب الفروض كما قال سبحانه:"يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ" (1) .

5 -يأمر القرآن ببر الوالدين حتى ولو كانا كافرين، ولكن لا يجوز بحال أن يطيعهما على الكفر، أو إذا أمرا بأي معصية، فإنه من المعلوم من الدين بالضرورة أنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وقد قال سبحانه وتعالى:"وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (14) وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ" (2) .

ففي هذه الآية يوصي الله تبارك وتعالى الإنسان أن يبر والديه، ويبين سبحانه تعب الأم في الحمل والولادة والرضاع، ويعبر عن ذلك القرآن بقوله: وهنا على وهن: أي ضعفا على ضعف، وشدة تتبعها شدة، فلم تقتصر معاناة الأم على الحمل والولادة، ففترة الرضاع تستمر سنتين، وفيها من المشقة ما فيها من بكاء الصبي، وكثرة توجعه، واستيقاظ الأم الدائم له في منتصف الليل مما يقلق راحتها ويذهب منامها.

وقد جاء هذا الحكم أيضا صريحا في حديث أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها (3) قالت: قدمت علي أمي وهي مشركة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستفتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، قلت: قدمت علي أمي وهي راغبة، أفأصل أمي، قال: نعم صلي أمك (4) .

ورغم كل هذا إن بذلا جهدهما في حملك على الكفر ومعصية الله تعالى فلا تطعهما، وعاملهما في الدنيا معاملة حسنة وصاحبهما بالمعروف.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة النساء، آية: 11.

(2) سورة لقمان، الآيتان، 14، 15.

(3) هي الصحابية الجليلة أسماء بنت عبد الله التيمية، وهي بنت أبي بكر الصديق، وأمها قتلة أو قتيلة بنت عبد العزى القرشية، ولدت قبل الهجرة بسبعة وعشرين عاما، أسلمت قديما بمكة، وتزجها الزبير بن العوام، هاجرت وهي حامل بعبد الله بن الزبير، فوضعت بقباء، لقبها رسول الله صلى الله عليه وسلم ب: ذات النطاقين، لأنها شقت خمارها نصفين، غطت بنصفه طعام رسول الله صلى الله عليه وسلم في هجرته مع أبيها، روت عن النبي صلى الله عليه وسلم عدة أحاديث، وروى عنها أولادها وأحفادها، توفيت سنة: أربع وعشرين للهجرة.

ابن حجر العسقلاني، أحمد بن علي، الإصابة في تمييز الصحابة، ج 7/ص 10.

(4) رواه البخاري، حديث رقم: 2620، ومسلم، حديث رقم: 1003.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت