وأما في الأمور التي تتعلق بالدين فاتبع سبيل من رجع إلى الله ووحد الله وعبد الله ألا وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم (1) ، والآية نزلت في سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه (2) حيث حلفت أمه أن لا تكلمه أبدا ولا تأكل ولا تشرب حتى يكفر بدينه، قالت: زعمتَ أن الله وصاك بوالديك وأنا أمك آمرك بهذا، فمكثت ثلاثا حتى غشي عليها من الجهد، فقام ابن لها يقال له عمارة فسقاها فجعلت تدعو على سعد، فأنزل الله هذه الآيات (3) .
وقد يستشكل على البعض التوفيق بين هذه الآيات، وبين قوله سبحانه وتعالى:"لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آَبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ" (4) .
ففي الآية الأولى يأمر الله سبحانه بصحبة الوالدين الكافرين وتقديم المعروف لهما، وفي الآية الثانية يبين سبحانه أنه لا يجوز حب الوالدين ولا أي أحد من الكفار.
وفي الحقيقة لو رجعنا على معاني اللغة العربية لرأينا دقة الألفاظ القرآنية في التعبير، فالمعروف يصنعه الإنسان مع من يحب ومع من يكره، مع المؤمن ومع الكافر، تطعمه إذا جاع، وتسقيه إذا عطش، أما المودة فلا تكون إلا لمن تحب، لأنها عمل قلبي، ولا تكون المودة إلا لمؤمن، فأمرنا سبحانه بصنع المعروف مع الوالدين الكافرين، ونهانا عن مودتهما، وكلا الحكمين مختلف عن الآخر (5) .
ــــــــــــــــــ
(1) أبو بكر الجزائري، أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير، ج 4/ص 205.
(2) هو الصحابي الجليل سعد بن مالك بن أهيب القرشي، أبو إسحاق بن أبي وقاص، أمه حمنة، أحد العشرة المبشرين بالجنة، روى عن النبي صلى الله عليه وسلم كثيرا، وروى عنه من الصحابة الكثير، أمثال: عائشة وابن عباس وابن عمر وغيرهم، هو أول من رمى بسهم في الإسلام، وهو أحد الستة من أهل الشورى، كان مجاب الدعوة مشهورا بذلك، شهد مع النبي صلى الله عليه وسلم المشاهد، أمره عمر على الكوفة، مات سنة ست وخمسين، وهناك أقوال أخرى في سنة وفاته، وهذا هو الأشهر.
ابن حجر العسقلاني، أحمد بن علي، الإصابة في تمييز الصحابة، ج 2/ص 324.
(3) رواه مسلم، حديث رقم: 1784.
(4) سورة المجادلة، الآية: 22.
(5) الشعراوي، محمد متولي، تفسير الشعراوي، ج 14/ص 8459.