ولكن هناك في الحديث لفتة طيبة أنه ينبغي بمن بر والديه أن يكون بره لوجه الله تعالى، ولا يكون لمصلحة دنيوية، كما في قول الرجل:"فإن كنت تعلم أني فعلته ابتغاء وجهك فافرج لنا فرجة "، وهذه اللفتة جاءت في القرآن في سورة الإسراء، فبعدما ذكر سبحانه بر الوالدين، عقب بقوله:"رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا" (1) ، وهذه الآية تدل على أن الإنسان قد يبر والديه دون أن يكون عمله خالصا لله تعالى، كمن يبر والديه من أجل الميراث، أو من أجل أن يعطياه مالا إذا كانا غنيين، أو من أجل أن يمدحه الناس، فأمر سبحانه بطرح كل هذه النوايا، وأن يكون العمل خالصا لوجه الله تعالى، ينتف ببركاته في الدنيا وبأجره يوم القيامة (2) .
2 -الوالدان أحق الناس بالصحبة: فهما اللذان تعبا على الولد وأسهرا ليلهما، وأنفقا مالهما من أجله، فهما أحق الناس بالصحبة والجلوس معهما، والتحدث إليهما، وإيناس وحشتهما، وتسليتهما، وفي ذلك يُسأل النبي صلى الله عليه وسلم: من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك: قال: ثم من؟ قال: أبوك" (3) ."
ولكن الذي يُرى في هذا الزمن أن الكثير من المسلمين قد استبدلوا صحبة آباءهم وأمهاتهم بأناس آخرين، فلا يسمع الواحد منهم من والديه كما يسمع من صاحبه، ومنهم من لا ينفق على والديه بقدر ما ينفق على أصحابه.
والبعض الآخر قد استبدل صحبة الوالدين بصحبة الزوجة، ونسي أن له والدَين فيغضب والديه في سبيل إرضاء الزوجة، وبعضهم قد يترك والديه بالكلية، وقد يقاطعهما ولا يكلمهما من أجل زوجته، هذا الأمر نراه واقعا في مجتمعنا الإسلامي، حتى إن بعض هؤلاء ممن يدعي التقوى والصلاح، ويدعي أنه يلتمس سبل الخير، ويبحث عن الأجور والحسنات، وينسى بر والديه.
يقول ابن عمر رضي الله عنهما (4) :"كان تحتي امرأة أحبها، وكان عمر يكرهها، فقال لي: طلقها،"
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة الإسراء، آية: 25.
(2) الشعراوي، محمد متولي، تفسير الشعراوي، ج 14/ص 8469.
(3) رواه البخاري، حديث رقم: 5971، ومسلم، حديث رقم: 2548.
(4) هو الصحابي الجليل عبد الله بن عمر بن الخطاب بن نفيل القرشي، ولد السنة الثانية للبعثة النبوية، هاجر مع أبيه وهو صغير، لم يشارك في بدر وأحد لصغر سنه، وقبله النبي صلى الله عليه وسلم في الخندق، وهو من علماء الصحابة، ومن المكثرين لرواية الحديث، وحدث عنه جمع كبير من الصحابة، قال عنه النبي صلى الله عليه وسلم: عبد الله رجل صالح، وكان زاهدا عابدا، يتصدق بماله في سبيل الله، وكان من أشد الناس اتباعا لسنة النبي صلى الله عليه وسلم. مات سنة: أربع وثمانين للهجرة. ... ابن حجر العسقلاني، أحمد بن علي، الإصابة في تمييز الصحابة، ج 3/ص 253.