وثمَّ آثارٌ منها قد صحت أسانيدها، وثمَّ آثارٌلم نقف لها على إسناد صحيح، ولا يبعد أن يكون بعضها قد أُخذ من الإسرائيليات.
{وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ} يعني: ذا النون، وهو يونس بن متَّى عليه السلام حين ذهب مغاضبًا على قومه، فكان من أمره ما كان من ركوبه في البحر والتقام الحوت له، وشرود الحوت به في البحار وظلمات غمرات اليم، وسماعه تسبيح البحر بما فيه للعليِّ القدير، الذي لا يُرد ما أنفذه من التقدير، فحينئذٍ نادى في الظلمات: {أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} ، قال الله تعالى: {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ} ، وقال تعالى: {فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} ، وقال ها هنا: {إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ} قال ابن عباس، ومجاهد، والسدِّي: مغموم.
وقال عطاء الخراساني، وأبو مالك: مكروب. وقد قدمنا في الحديث أنه لما قال: {أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} : خرجت الكلمة تحف حول العرش، فقالت الملائكة: يا رب، هذا صوت ضعيف معروف من بلاد غريبة! فقال الله تعالى: أما تعرفون هذا؟! قالوا: لا! قال: هذا يونس. قالوا: يا رب، عبدك الذي لا يزال يرفع له عمل صالح، ودعوة مجابة؟ قال: نعم. قالوا: أفلا ترحم ما كان يعمله في الرخاء فتنجيه من البلاء؟ فأمر الله الحوت فألقاه بالعراء، ولهذا قال تعالى: {فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ} .