الصفحة 40 من 42

قال العلماء؛ هذه الأحاديث تحتمل وجهين:

أحدهما: أنه - صلى الله عليه وسلم - قال هذا قبل أن يعلم أنه أفضل من يونس، فلما علم ذلك قال: «أنا سيد ولد آدم» ولم يقل هنا: إن يونس أفضل منه أو من غيره من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم.

والثاني: أنه - صلى الله عليه وسلم - قال هذا زجرًا عن أن يتخيل أحد من الجاهلين شيئًا من حط مرتبة يونس - صلى الله عليه وسلم -، من أجل ما في القرآن العزيز من قصته، قال العلماء: وما جرى ليونس - صلى الله عليه وسلم -، لم يحطه من النبوة مثقال ذرة، وخص يونس بالذكر لما ذكرنا من ذكره في القرآن بما ذكر.

وأما قوله - صلى الله عليه وسلم: «ما ينبغي لعبد أن يقول: أنا خير من يونس» فالضمير في «أنا» قيل: يعود إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقيل: يعود إلى القائل، أي: لا يقول ذلك بعض الجاهلين من المجتهدين في عبادة أو علم أو غير ذلك من الفضائل فإنه لو بلغ من الفضل ما بلغ لم يبلغ درجة النبوة، ويؤيد هذا التأويل الرواية التي قبله وهي قوله تعالى: «ولا ينبغي لعبد أن يقول: أنا خير من يونس بن متى» والله أعلم.

* ومن هذا الذي علمناه من نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - في شأن نبي الله يونس عليه السلام إذ قال لنا نبينا - صلى الله عليه وسلم: «لا ينبغي لعبد أن يقول: أنا خير من يونس بن متى» نستفيد أدبًا ونتخلق بخلق حسن جميل ألا وهو التواضع، وحسن الثناء على الآخرين من إخواننا المؤمنين.

ومما يتأيد به هذا المعنى ما يلي:

* قول النبي - صلى الله عليه وسلم: «نحن أحق بالشك من إبراهيم إذ قال: {رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} ويرحم الله لوطا لقد كان يأوي إلى ركن شديد، ولو لبثت في السجن طول ما لبث يوسف لأجبت الداعي» [1] .

* وأيضا فقد كان رسولنا - صلى الله عليه وسلم - كثيرًا ما يذكر نبي الله موسى عليه السلام مثنيًا عليه بقوله: «يرحم الله موسى لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر» [2] .

* وكذلك ما ورد في قصة تشاجر المسلم مع اليهودي:

فعند البخاري ومسلم [3] من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: استب رجل من المسلمين ورجل من اليهود فقال المسلم: والذي اصطفى محمدًا - صلى الله عليه وسلم - على العالمين - في قسم يقسم به - فقال اليهودي: والذي اصطفى موسى على العالمين، فرفع المسلم عند ذلك يده فلطم اليهودي فذهب اليهودي إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فأخبره الذي كان من أمره وأمر المسلم، فقال: «لا تخيروني على موسى، فإن الناس يصعقون فأكون أول من يفيق، فإذا موسى باطش بجانب العرش فلا أدري أكان فيمن صعق فأفاق قبلي، أو كان ممن استثنى الله؟» .

فصلوات ربي على هذا النبي الكريم محمد - صلى الله عليه وسلم - وعلى سائر المرسلين.

وقد سلك هذا المسلك أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقد كان بعضهم يثني على البعض ويشكر بعضهم لبعض بعد شكره لله

تبارك وتعالى.

وهذه طائفة من ذلك:

(1) البخاري (3372) ، ومسلم (حديث 151) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا.

(2) البخاري (حديث 2405) .

(3) البخاري (3408) ، ومسلم (حديث 2373) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت