وهو بيّن معلوم أيضًا، كغيره من مفاسد المدارس المتقدمة.. ومع ذلك فلابد من أن نمر عليه ولو مرورًا.. لنحيط بالموضوع من كل جوانبه، ولنظهر تشعب فساد هذه المدارس وتعدده.. فنقول:-
إن للرفقة والخلطة المباشرة التي يقضي الإنسان أغلب وقته بينها (1) أثرها العظيم وخطورتها البالغة عليه.. حتى ولو كانت تلك الرفقة رفقة دواب وأنعام ففي الحديث ( السكينة والوقار في أهل الغنم والكبر والخيلاء في الفدادين أهل الوبر ) ففيه أن الرفقة تؤثر في المرء وتطبعه بأظهر طبائعها ولو كانت أنعاما ؛ فكيف برفقة البشر والناس ؟؟ وقديمًا قيل"الصاحب ساحب"خاصة إذا كان هذا الصاحب من عمر الصبي أو الشباب أومن أترابه.. فالصبي عن الصبي ألقن، وكذا الشاب عن الشاب.. فهو عنه آخذ وبه آنس..
وقد قالوا:-
عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه ... فكل قرين بالمقارن يقتدي
(1) وهذا القيد مهم جدًا، حيث لا يصح أن تقاس رفقة ساعة بأضعافها.. بل يجب أن يراعي المنصف الفرق وينظر فيه، ولا يصح أن يقول: إن الفساد يملأ المجتمع، وما تحاذرونه وتخافون منه في هذه المدارس من هذا الوجه، موجود في الشوارع والأسواق، لأن وجوده شئ، ومرافقة الإنسان له ومشاركته فيه شئ آخر، وأن يمر فيه مرورًا شئ، وأن يقضي في وسه ساعات أيامه وسنين عمره شئ أخر أيضًا.. فقضية المشاركة الفعلية في المنكر تختلف كثيرًا عن مجرد المرور به.. تمامًا كالفرق في قضية سماع المعازف بغير قصد وبين تقصد استماعها.. انظر مجموع فتاوي شيخ الإسلام (11/630) وغيرها..
ثم نحن نفترض أننا نخاطب دعاة هدفهم تربية أبنائهم على تقوى من الله ورضوان فهذا يستلزم حفظهم أيضًا من منكرات الشوارع وأمثالها وأن لا يطلق لهم العنان في اختيار المجالس والرفقة كيف شاؤوا .. فالعمر قصير وشأن التربية شأن خطير خصوصًا عند المؤمن الجاد الذي يتحرق شوقًا إلى نصرة دينه وإسلامه..