فصل
عظم مسؤولية الآباء على الأبناء
من الكتاب والسنة
يقول تعالى مخاطبًا عباده المؤمنين: {يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارًا وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون اللَّه ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون} . [سورة التحريم: 6] .
يقول قتادة: (تأمرهم بطاعة اللَّه وتنهاهم عن معصية اللَّه، وأن تقوم عليهم بأمر اللَّه وتأمرهم به وتساعدهم عليه، فإذا رأيت للَّه معصية قذعتهم عنها وزجرتهم عنها) .
ونقل ابن القيم رحمه اللَّه تعالى في كتابه تحفة المودود عن بعض أهل العلم قوله: (إن اللَّه سبحانه يسأل الوالد عن ولده يوم القيامة، قبل أن يسأل الولد عن والده، فإنه كما أن للأب على ابنه حقًا، فللإبن على أبيح حق، فكما قال تعالى: {ووصينا الإنسان بوالدهي حسنًا} [سورة العنكبوت: 8] .
قال تعالى: {قوا أنفسكم وأهليكم نارًا..} فوصية اللَّه للآباء بأولادهم سابقة على وصية الأولاد بآبائهم، قال تعالى: {ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق} . [سورة الإسراء: 31] . أهـ.
وبين اللَّه عز وجل لعباده أن الخسارة الحقيقية الكبرى ليست هي خسارة من هذه الخسارات التي يتعرض لها بنى آدم في دنياهم في تجارة أو مال أو عقار.. ولا خسارة هذه الشهادات والوظائف أو غير ذلك مما يهتم به الناس ويشغلهم...
وإنما الخسارة المبينة والحقيقية، هي خسارة النفس والأهل بالتفريط في حق اللَّه عليه وعلى أولاده. من طاعته وتوحيده والاستقامة على شرعه وتعلم دينه وتربية أهله وتأديبهم بالآداب الإسلامية الحميدة، وحملهم على الطاعات وزجرهم عن المعاصي والمنكرات.. فيقول سبحانه: {وقال الذين آمنوا إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ألا إن الظالمين في عذاب مقيم. وما كان لهم من أولياء ينصرونهم من دون اللَّه ومن يضلل اللَّه فما له من سبيل، استجيبوا لربكم من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من اللَّه ما لكم من ملجأ يومئذ وما لكم من نكير} [سورة الشورى: 45: 47] .
وقال سبحانه: {قل إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ألا ذلك هو الخسران المبين لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل ذلك يخوف اللَّه به عباده يا عباد فاتقون} [سورة الزمر: 15: 16] .
وهذه الخسارة تراها عند أكثرهم في الدنيا حيث يلعن بعضهم بعضًا عقوقًا وقطيعة رحم.. يقول ابن القيم رحمه اللَّه تعالى: (فمن أهمل ولده وما ينفعه وتركه سدى، فقد أساء إليه غاية الإساءة، وأكثر الأولاد إنما جاء فسادهم من قبل الآباء، وإهمالهم لهم، وترك تعليمهم فرائض الدين وسننه، فأضاعوهم صغارًا، فلم ينتفعوا بأنفسهم، ولم ينفعوا آباءهم كبارًا، كما عاتب بعضهم ولده على العقوق، فقال: يا أبت إنك عققتني صغيرًا فعققتك كبيرًا، وأضعتني وليدًا، فأضعتك شيخًا) (أهـ. من تحفة المودود) .