( أما القلب الثاني فهو القلب المظلم المفتون، الذي امتلأ بالفتن والمنكرات.. فحرم من نور التوفيق والهداية.. فأمسى صاحبه متخبطًا مترددا بين الحق والباطل.. وبين النور والظلمات.. لا يعرف هذا ولا يميز ذاك. {كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون} .. ليس له ميزان حق يزن به الأمور، أو يعرف به الطريق، ولا فرقان يميز به الحق من الباطل...
وإنما هو الهوى المتبع ؛ ميزان خسارة، وطريق ضلالة.. وهاوية هلاك.. لا يهدى إلا أن يهدى {أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى فما لكم كيف تحكمون} . [يونس: 25] .
ثالثًا:
( أن أصحاب القلب الأول جعلنا اللَّه تعالى منهم هم الموفقون الهداة الذين يفوزون بكرامة الدارين.. ويحوزون شرف الدنيا والآخرة، وهم أنصار الدين الذين يقوم بهم، ونجومه وبدوره الذين يضيؤون للحيارى الطريق.. وما ذلك إلا باتباعهم وتمسكهم بالأمر الأول.. الأمر القديم.. أمر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وأصحابه.. ونبذهم وابتعادهم عن البدع والفتن والمنكرات، مهما تزينت بزينة الحضارة الزائفة وتزخرفت بزخارف التقدم والرقي والازدهار الكاذبة ..
( أما أصحاب القلب الثاني أعادنا اللَّه تعالى من سبيلهم، فهم الهلكى الساقطون.. الذين باعوا آخرتهم بدنياهم، وأثروا شهواتها التي سرعان ما تبور، وقدموا حطامها الفاني الذي لا يساوي عند اللَّه جناح بعوضة على سلعة اللَّه الغالية.. على الجنة.. فخسروا أنفسهم وأهليهم وخسروا الدنيا والآخرة، وذلك هو الخسران المبين.
يقول العلامة ابن القيم رحمه اللَّه تعالى في كتابه إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان، عند كلامه على حديث حذيفة هذا:
( قسّم - أي النبي صلى الله عليه وسلم - القلوب عند عرضها عليها - أي على الفتن - إلى قسمين: