( قلب إذا عرضت عليه فتنة أشربها، كما يشرب السفنج الماء فتنكت فيه نكتة سوداء، فلا يزال يشرب كل فتنة تعرض عليه، حتى يسود وينتكس، وهو معنى قوله"كالكوز مجخيا"أى مكبوبًا منكوسًا، فإذا أسود وانتكس عرض له من هاتين الآفتين مرضان خطيران متراميان به إلى الهلاك.
أحدهما: اشتباه المعروف عليه بالمنكر، فلا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا، وربما استحكم عليه هذا المرض حتى يعتقد المعروف منكرًا، والسنة بدعة والبدعة سنة، والحق باطلًا والباطل حقًا.
الثانى: تحكيمه هواه على ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ، وانقياده للهوى واتباعه له.
( وقلب أبيض قد أشرق فيه نور الإيمان، وأزهر فيه مصباحه، فإذا عرضت عليه الفتنة أنكرها وردها، فازداد نوره وإشراقه وقوته ) . أ. هـ.
وبعد ..
فإنك لو تأملت ونظرت في أحوال أهل زماننا هذا لرأيت أكثرهم إلا من رحم ربك، من أصحاب القلوب المنكوسة، نسأل اللَّه العافية، اعتادوا على كثير من الفتن والمنكرات، ترعرع فيها وليدهم، وكبر وشب فيها صغيرهم، وشاب فيها كبيرهم، حتى ألفوها وأمست عندهم معروفًا لا تنفر منها قلوبهم، ولا ترفضها نفوسهم، ولا يستنكرونها.. بل ينكرون أشد الإنكار، ويقيمون الدنيا ويقعدونها على من هجرها وتركها واستبرأ لدينه وعرضه منها.. كأنه ارتكب بهتانًا وإثمًا مبينًا...
إن عشت وف ترى منها عجائبها ... إن كان قلبك حيًا غير مفتون
من يمت قلبه لا يهتدي أبدًا ... ولو جئته بصحيحات البراهين