الصفحة 18 من 338

وسبحان اللَّه، كيف تنقلب الموازين وتنتكس الأفكار والمفاهيم.. حتى واللَّه صدق فينا وفي زماننا هذا ما صح عن ابن مسعود رضي اللَّه تعالى عنه وحكمه حكم الرفع قال:"كيف أنتم إذا لبستكم فتنة يهرم فيها الكبير ويربو فيها الصغير (ويتخذها الناس سنة) ، إذا ترك منها شيء قيل تركت السنة.. قالوا ومتى ذاك؟ قال: إذا ذهبت علماؤكم، وكثرت جهلاؤكم، وكثرت قراؤكم وقلت فقهاؤكم. وكثرت أمراؤكم وقلت أمناؤكم والتمست الدنيا بعمل الآخرة، وتفقه لغير الدين". [رواه الدارمي والحاكم وغيرهما وهو صحيح] .

ولا يشك واللَّه عاقل، أن كل ما جاء في هذا الخبر موجود منطبق في زماننا، بل إن كثيرًا من ذلك موجود من قبل زماننا هذا، أما علماؤنا

(1) ونحن هنا لا نتحسر إلا على المخلصين الذين جمعوا بين علم الحجة والبيان وعلم الخشية والإيمان.. الذين هم في الأرض بمنزلة نجوم السماء، ويهتدي بهم الحيران في الظلمات، فما أقلهم وأندرهم واللَّه في زماننا...

أما أصحاب المتون المحفوظة، الذين يلعلعون ويجادلون ليلبسوا الحق بالباطل، أولئك الذين ترى صورهم الكالحة دومًا ترصع الجرائد والمجلات النتنة، وعلى شاشات التلفزيون، يحلون كل حرام ويزورون الحقائق.. أمسوا خدما للسلاطين، وباعوا عمائمهم لطغيانهم.. ووقفوا بأبوابهم يعيشون على فئات موائدهم العفنة، ويلعقون ذيولهم وأهدابهم القذرة.. أولئك الذين قيل في وصفهم:

مرحا لأصحاب الفضيلة أهل البطون المستطيلة

اللاعقون لكل مائدة وتلك هي الحصيلة

الخائنين لدينهم شاهت وجوههم العميلة

مرحا لهم فهموا مطيات مسخرة هزيلة

يستاقها السلطان تنبح خلفه تحمي ذيوله

وتعيش تلعق راحتيه إذا رأته وتنحنى له

فهؤلاء كثيرون، كثيرون جدًا، وهم وإن افتخروا بشهادات الزور التى منحوها من الكليات والجامعات التي يباركها الطواغيت، فليسوا بعلماء.. لأن هذه الجامعات والكليات، ما أعطتهم ولا منحتهم مع تلكم الشهادات، علم الخشية والإيمان، الذي هو ثمرة العلم وغايته، قال تعالى: {إنما يخشى اللَّه من عباده العلماء} ، لذا فلا يوصفون بلفظة العلم مطلقة هكذا، بل تقيد كما قيدها رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم حين قال:"أخوف ما أخاف على أمتي كل منافق عليم اللسان". (رواه ابن حبان والطبراني وغيرهما وهو صحيح) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت