الصفحة 59 من 338

فمن باب أولى أن يتناولنا هذا النهي أيضًا بالنسبة لأهل السفاهة الكبرى: وأقصد هنا على وجه الخصوص طواغيت الحكام (1)

(1) ومن المهم هنا أن أنكر ذلك المنكر الذي يدعو إليه كثير من دعاة هذا الزمان ظانينه ومعتقدينه معروفًا، وهو دعوتهم هذه الحكومات- المحادة للَّه ولرسوله والتي ترفض تحكيم ما أنزل الله- إلى جبي الزكاة من الناس؛ مع أنهم يعلمون أن الحكم كله للَّه لا ما وافق منه مصالح البلد وأحوالها الاقتصادية أو الاجتماعية السيئة وأهواء الطواغيت وحسب.. هذا كله إن صح أصلًا لهؤلاء الطواغيت أن يقوموا على مثل ذلك.. فكيف وقد علمت مما سلف أنهم سفهاء، وأن اللَّه عز وجل قد قال: {ولا تؤتوا السفهاء أموالكم} .. فالعجب العجاب من أحوال هؤلاء الدعاة كيف يستأمنون هؤلاء السفهاء المفسدين في الأرض على زكوات المسلمين وأموالهم وقد قال ربنا: {إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله} .. أفنعينهم على ذلك، ونمنحهم أموال زكواتنا لينفقوها في ذلك أيضًا..

ولكني أرجع وأقول: أن لا عجب، فقد أعطوهم ما هو أعز وأغلى وأثمن من الأموال، أعطوهم الأبناء وسلموهم الذرية ليعجنوها ويشكلوها كما يحلوا لهم في مدارسهم هذه وكما يشتهون..

إن العجيب ترجينا لرحمتهم

هل جاد شخص لمن عاداه بالعون

هل تدرك الشاة تأبينا لعيشتها

عند الركون إلى بعض السراحين

والسبب في هذه الانحرافات هو فساد الأصول الذي الذي لا بد أن ينتج عنه فساد وانحراف الفروع؛ فمصبة هؤلاء القوم -أعني هؤلاء الدعاة - أنهم وإلى هذه اللحظة لا يتعاملون مع هؤلاء الطواغيت على أنهم أعداء محاربين بل لا يزال في نفوسهم رجاء وأمل فيهم وفي حكوماتهم المنحرفة بل منهم من يعتبرهم ولاة أمره .. مع أن أولئك يتربصون بهم الدوائر، ولو يظهروا عليهم لا يرقبوا فيهم إلا ولا ذمة.. فإلى متى، إلى متى هذا السبات.. ورحم اللَّه السلف الذين كانوا يختلفون في دفع الزكاة لأمراء زمانهم ويتحرجون من ذلك فيسألون أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم .. فمنهم من يفتي بإعطائها للأمراء، ومنهم من ينهي عن ذلك ويأمر بإخراجها بنفسه.. وذلك لبعض الانحرافات التي طرأت على أولئك الأمراء.. والتي لا يصح- بل لا يجوز- أن تقارن بكفريات هؤلاء الطواغيت، وراجع إن شئت: كتاب الزكاة من السنن الكبرى للبيهقي (4/115) باب الاختيار في قسمها بنفسه إذا أمكن، وباب الاختيار في دفعها إلى الوالي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت