حالهم هو الذي ذكرناه .. تارة يبرز في الإنسان ذاته الفردية ، فيحب أن يثبت ذاته بوسيلة من الوسائل ، وتارة يسعى - مختارا مشتاقا متلهفا - إلى مصاحبة الآخرين والاشتراك معهم في أمر من الأمور .
بل إنه في اللحظة التي يحب أن يثبت ذاته ، لا يكتفي بأن يثبت ذاته بينه وبين نفسه بعمل من الأعمال ، إنما يسعى إلى الاجتماع بالآخرين ليثبت ذاته بينهم على نحو من الأنحاء . وصحيح أنه يضطر أحيانا لأن يتنازل عن بعض رغباته الخاصة من أجل وجود الآخرين من حوله . ولكنه يفعل ذلك - أو يتقبله - لقاء إشباع رغبته الأخرى في الاجتماع مع الآخرين .
كيف يقول عاقل إذًا إن"المجتمع"مفروض على الفرد من خارج كيانه ؟
إنما يحدث التنازع بين النزعتين الفردية والجماعية - كما يحدث بين نزعات كثيرة في كيان الإنسان - حين تزيد"الجرعة"في إحداهما عن القدر اللازم الذي تتوازن به الأمور ، أو حين تثور في النفس نزعات متضاربة في وقت واحد .
وزيادة الجرعة إما أمر عارض ، يعود بعده الإنسان إلى حالته الطبيعية فلا يعتبر مرضا ، وإما شيء دائم أو غالب ، فعندئذ يعتبر حالة مرضية .