الصفحة 142 من 194

وقد اجتهد دوركايم بصفة خاصة - وإن كان قد اشترك معه كثيرون غيره - في تصوير المجتمع على أنه قوة ضاغطة على الفرد من خارج كيانه ، تسيّره على غير هواه !

"إن ضروب السلوك والتفكير الاجتماعيين أشياء حقيقية توجد خارج ضمائر الأفراد ، الذين يجبرون على الخضوع لها في كل لحظة من لحظات حياتهم".

وقد سبق أن أشرنا إلى التملص - غير العلمي - الذي وقع فيه دوركايم حين اضطر أن يعترف أن الظواهر الاجتماعية تنشأ نتيجةً لعدد كبير من الضمائر الفردية ، ومع ذلك فهي في زعمه توجد خارجة عنا !

"ولكن لما كان هذا العمل المشترك ( الذين تنشأ عنه الظواهر الاجتماعية ) يتم خارج شعور كل فرد منا ، وذلك لأنه نتيجةٌ لعدد كبير من الضمائر الفردية ، فإنه يؤدي بالضرورة إلى تثبيت وتقرير بعض الضروب الخاصة من السلوك والتفكير ، وهي تلك الضروب التي توجد خارجة عنا ، والتي لا تخضع لإرادة أي فرد منا"!! (1) .

وندع دوركايم لتخبطه"العلمي !"- وإن كنا نعجب كيف لا يرى أنصاره المدافعون عنه ذلك التخبط - ونسأل أنفسنا: من أين ينبع المجتمع ؟

إن الكائن البشري ذو شعبتين في آن واحد ، يكوّنان في مجموعهما شخصيته: شعبة فردية تسعى إلى إثبات الذات وتوكيدها ، وشعبة اجتماعية تسعى إلى الاجتماع بالآخرين ، والأنس بهم ، والاشتراك معهم في بعض الأمور على الأقل إن لم يكن في كثير من الأمور .

كلتا النزعتين أصيلة فيه .. ليست إحداهما مفروضة عليه من خارج كيانه !

والمرجع في ذلك هو الواقع ! .

مَنْ مِنَ البشر يحب أن يعتزل الناس ويعيش مفردا لا يتصل بأحد ولا أحد يتصل به إلا أفراد نادرون لا يحسب لهم حساب في التعداد البشري الكثيف الذي يبلغ اليوم مليارات ؟!

وبقية البشر - الطبيعيين - ما حالهم ؟

(1) سبقت الإشارة إليه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت