ودليل المخالفة واضح كذلك .. فحين تقل نسبة الخمر والمخدرات والجريمة في المجتمع - كما كانت قليلة في المجتمع المسلم إلى ما قبل نكسته الأخيرة - فمعنى ذلك أن علاقات الفرد والمجتمع جيدة ، وأن الفرد ليس ناقما على مجتمعه ، ولا المجتمع ناقم على أفراده إلى الحد الذي يؤدي إلى انتشار الجريمة (1) .
وإذن فقد وجد في واقع التاريخ ، ولفترة غير قصيرة من الزمن ، مجتمع لا يحس الفرد فيه أنه مضغوط مكبوت ، مغلوب على أمره ، يتحين الفرص ليتمرد على المجتمع وينقض عليه ، ولا يحس المجتمع أن الأفراد فيه أعداء متربصون يجب سحقهم والقضاء عليهم ..
فكيف حدث هذا الانسجام بين الفرد والمجتمع على هذه الصورة في عالم الواقع ؟
المفتاح في الثوابت !
فحين يلتقي الفرد الواحد والأفراد الآخرون الذين يكونون المجتمع على الثوابت ، يقل الصراع إلى أقصى حد ، ويحس المجموع بالروابط الذي تشد بعضه إلى بعض ، فيصبح كما وصفه رسول الله صلى الله عليه وسلم:"مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى" (2) .
والرباط الأعظم في هذه الروابط بطبيعة الحال هو الدين ، هو العقيدة في الله واليوم الآخر . فهو العقدة التي تضم الخيوط جميعا ، وتربطها بعضا إلى بعض .
ولا يخرج الناس مع ذلك عن بشريتهم ، ولا يصبحون ملائكة ، وتظل فيهم دوافع البشر ، وتعتمل في نفوسهم نوازع البشر ، ولكن على مستوى"الإنسان"لا على مستوى الحيوان !
المجتمع - في حقيقته - نابع من الفرد .
(1) لا يوجد مجتمع بشري - ولا مجتمع الرسول صلى الله عليه وسلم - يخلو خلوا كاملا من الجريمة . ففي مجتمع الرسول صلى الله عليه وسلم من سرق ومن زنا ومن شرب الخمر ، وأقيم عليه الحد . ولكن هناك فرقا واضحا لا ينكره إلا مغالط ، بين مجتمع لا تحدث فيه الجريمة إلا شذوذا يستنكر ، ومجتمع الجريمة فيه شيء عادي دائم الحدوث .
(2) متفق عليه .