الصفحة 2 من 194

وكثيرا ما يوحي إلينا التخصص الدقيق - أو الغرور العلمي أحيانا - أن كلا من هذه العلوم عالم مستقل بذاته ، متميز عن غيره تمام التميز . وهو وَهْمٌ يكذبه الواقع ، وتكذبه النظرة الشاملة ، التي لا تحجبها الجدران الكثيفة التي يقيمها كل علم من هذه العلوم حول نفسه ، عن رؤية العناصر المشتركة التي تربط بينها جميعا ، والمنطلق المشترك الذي تصدر عنه ، وهو الكيان الإنساني المترابط ، الذي لا تتفكك أجزاؤه في أثناء حركته ، ولا ينفصل بعضها عن بعض ، وإن اختلفت اتجاهاته ، واهتماماته ، وألوان نشاطه ، ما بين لحظة وأخرى على مدار حياته كلها من بدئها إلى نهايتها .

وغني عن البيان أن العلوم الاجتماعية قد نمت وتأصلت في أوربا في ظل أجواء نفسية وفكرية معينة ، أثرت في توجيهها ، وهي أجواء الصراع بين الكنيسة والعلم ، أو بين الدين والحياة بصفة عامة ، وأن هذا الصراع قد خلَّف بصماته الواضحة عليها ، فنشأت إما معادية للدين ، أو في القليل مبتعدة عنه ، متنصلة من الاتصال به أو الاستمداد من وحيه . ثم أصبح هذا في حس الناس هناك هو"المنهج العلمي"الذي يجب أن تسير عليه البحوث العلمية ، والذي تعتبر أي مخالفة له خللا في الفكر ، ونقضا"للروح العلمية"و"الموضوعية"وإفسادًا للبحث العلمي !!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت