أما استقامة المنهج فأمر آخر مختلف ، لا علاقة له بالتمكين المادي ، وتدل كل الدلائل على الانحراف الواقع في حياة الغرب اليوم فيما يتعلق بمنهج الحياة ، والقيم التي يعيش الناس من أجلها هناك .
إن الغرب - في جولتيه الماضية والحاضرة - قد أخذ جانبا واحدا من الإنسان ومن الحياة الإنسانية ، وأهمل الآخر .
ففي جولته الماضية - التي تمثلها العصور الوسطى الأوربية - ركز على عالم الغيب ، وعالم الآخرة ، وعالم الروح ، وأهمال عالم الشهادة ، وأهمل الحياة الدنيا ، وأهمل الجسد ودوافعه ، فضلا عن الحجر الذي فرضته الكنيسة على العقل ، وكان ذلك كله سببا في الظلمات التي توصف بها العصور الوسطى هناك .
وفي جولة الحاضرة - التي بدأت منذ"النهضة"حتى الوقت الحاضر - ركز على عالم الشهادة ، والحياة الدنيا ، ونشاط الجسد ولذائذه الحسية ، وأهمل عالم الغيب ، وعالم الآخرة ، وعالم الروح ، فضلا عن تأليه العقل وجعله هو المحكم في كل الأمور ، ما يصلح له وما لا يصلح على السواء . وكان ذلك سببا في انحدار القيم والمبادئ والتحلل الخلقي الذي لا مثيل له في التاريخ .
في كلا الحالين كان الغرب يعيش في الظلمات ! كان يعيش بمسخ مشوه هو نصف إنسان ! إما هذا النصف وإما النصف الآخر . ولم يجتمع له قط كيانه المتكامل الذي خلق الله عليه"الإنسان".
ولا يعني هذا أن حياة الغرب - في كلتا جولتيه - كانت كلها شرا أو أنها خلت من جوانب الخير ! كلا ! فما من جاهلية في التاريخ كله كانت كلها شرا ، وكانت خالية من الخير .
يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الجاهلية العربية:"خياركم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا" (1) .
ومعنى ذلك أنه يوجد خيار في الجاهلية !
ويقول عليه الصلاة والسلام:"دعيت إلى حلف في الجاهلية في بيت ابن جدعان لو دعيت إليه في الإسلام لأجبت"! (2)
(1) أخرجه مسلم .
(2) انظر سيرة ابن هشام جـ 1 صـ 133 .