الصفحة 52 من 194

التأصيل الإسلامي عمل مختلف .. إنه الانطلاق ابتداء من منطلق إسلامي ، سواء التقى بعد ذلك في بعض الجزئيات أو لم يلتق مع ما كتبه الغرب في تلك العلوم . فليس القصد الالتقاء لمجرد الالتقاء ، ولا الاختلاف لمجرد الاختلاف . إنما القصد التعرف على التصور الإسلامي ، وزاوية الرصد الإسلامية ، ثم الانطلاق منها إلى حيث تؤدي بنا باستخدام الوسائل العلمية المشهود لها ، والتي تناسب البحث المطلوب . وسنجد حين نفعل ذلك أن الخلاف الجوهري هو في نقطة الانطلاق . في زاوية الرؤية . في تفسير الوقائع ، ووضعها في مكانها في الصورة المتكاملة . وليس من الضروري في كل حالة أن يكون هناك خلاف في الجزئيات . ففي التاريخ مثلا أو في الاجتماع قد نتفق معهم في رصد الظاهرة التاريخية أو الظاهرة الاجتماعية لأنها واقع مشهود لا يختلف الناس في رؤيته . ولكن تفسيرهم للظاهرة ، المنبثق من رؤيتهم الخاصة ، كثيرا ما نختلف معهم فيه ، لأن رؤيتنا مختلفة عن رؤيتهم ، ورصيدنا الواقعي مختلف عن رصيدهم ، والميزان الذي نزن به مختلف عن ميزانهم . وأوضح مثال على ذلك أنهم يرون أن إلغاء عالم الغيب ( الذي يسمونه الميتافيزيقا ) أو في القليل إهماله ، كان تقدما تاريخيا واجتماعيا وإنسانيا اكتسبه الغرب في عصره الحاضر ، بينما نرى نحن ذلك انتكاسة إنسانية لا تليق بالإنسان .. فالظاهرة متفق عليها لأنها واقع مشهود ، ولكن تفسيرها عندنا وعندهم تفصل بينهما هوة لا لقاء بين أطرافها !

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت