"وظهر للوقت ( أي في الوقت ذاته ) معلم آخر عظيم ، يعده كثير من الثقات المعاصرين المؤسس الحقيقي للمسيحية ، وهو شاول الطرسوسي أو بولس .. والراجح أنه يهودي المولد ، وإن كان بعض الكتاب اليهود ينكرون ذلك . ولا مراء في أنه تعلم على أساتذة من اليهود ، بيد أنه كان متبحرًا في لاهوتيات الإسكندرية الهيلينية .. وهو متأثر بطرائق التعبير الفلسفي للمدارس الهلينستية ، وبأساليب الرواقيين . كان صاحب نظرية دينية ومعلما يعلم الناس قبل أن يسمع بيسوع الناصري بزمن طويل .. ومن الراجح جدا أنه تأثر بالمثرائية ، إذ هو يستعمل عبارات عجيبة الشبه بالعبارات المثرائية .. ويتضح لكل من يقرأ رسائله المتنوعة جنبا إلى جنب مع الأناجيل أن ذهنه كان مشبعا بفكرة لا تظهر قط فيما نقل عن يسوع من أقوال وتعاليم ، ألا وهي فكرة الشخص الضحية الذي يقدم قربانا لله كفارة عن الخطيئة . فما بشر به يسوع كان ميلادا جديدا للروح الإنسانية ، أما ما علمه بولس فهو الديانة القديمة: ديانة الكاهن والمذبح ، وسفك الدماء لاسترضاء الإله" (1)
ويقول المؤرخ الإنجليزي"فشر":
"إن حكمة الكنيسة المسيحية هدت آباءها الأولين إلى قبول ما لم يستطيعوا له منعًا من قديم العادات والتقاليد والمعتقدات ، بدليل استقبال الكنيسة لمبدأ تعدد الآلهة ، الراسخ بين شعوب البحر الأبيض المتوسط ، وتطويع ذلك المبدأ لما تقتضيه عقائدها" (2) !
ويقول"رينان"الفيلسوف الفرنسي:
(1) ويلز ،"معالم تاريخ الإنسانية"ترجمة عبد العزيز توفيق جاويد ، طبع لجنة التأليف والترجمة والنشر بالقاهرة ، ج 3 ص 705 .
(2) فشر ، تاريخ أوربا في العصور الوسطى ، ج 1 ص 80 من الترجمة العربية .